أهلاً بكم أحباء صاحب القلم الرحيم

عن المدونة

متخصصة في أدب الراحل صاحب القلم الرحيم

هل تبحث عن شئ؟

اشترك فى المدونة

باشتراكك فى مدونتنا سيصلك كل جديد من بريد أو مقالات

تواصلو معي

البيت الجديد .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شاب من أبناء الجنوب شاءت لي الأقدار أن أكون طرفاً في قصة من هذه القصص المؤلمة التي أحرص على قراءتها في بابك بانتظام..
فلقد نشأت في أسرة صعيدية مترابطة. وتزوج شقيقي الأكبر منذ بضع سنوات، وأقام مع أبي وأمي في البيت الكبير كما نسميه أي بيت الأسرة.. وتزوجت شقيقاتي واستقرت بهن الحياة في بيوت أزواجهن في الجوار القريب، وأنجب شقيقي الأكبر من زوجته طفلين صغيرين، وسعد بحياته وزوجته وسعدت هي به.. ثم فجأة تزلزل كيان هذا البيت بمصرع شقيقي هذا منذ عام ونصف عام في حادث سيارة خلال عودته من مدينة الأقصر التي كان يعمل بها.. وخيم الحزن على الجميع وسقطت زوجة أخي في غيبوبة شبه متصلة.. ووفقاً للتقاليد فقد استمرت زوجة أخي مقيمة في بيت الأسرة مع طفليها الذي يبلغ عمر أكبرهما 6 سنوات والأخرى 4 سنوات، وبعد إحياء ذكرى الأربعين بأيام جاء أهل زوجة أخي ليصطحبوها معهم إلى بيت أسرتهم كالعادة حين يكون الأطفال صغاراً. ولا أدري ماذا فعل أبي معهم أو ماذا قال لهم لكي يقنعهم بترك ابنتهم مع طفليها بعض الوقت في بيتنا لكنهم على أية حال قد قبلوا بعد رجاء وإلحاح تركها لبعض الوقت على أن يرجعوا لاصطحابها معهم بعد هذه المهلة الجديدة بلا أي تأجيل.. وبعد انصرافهم فوجئت بأبي يدعوني للحديث معه على انفراد ثم يرجوني والدمع المتجمد في عيونه، بأن أتزوج أرملة شقيقي الراحل لكي تظل هي والطفلان في بيتنا وتمضي الحياة بهم وبنا على ما كانت عليه قبل الحادث المؤلم..
ولم أجب أبي بالرفض أو القبول عند سماعي هذا الرجاء المؤلم، وغلبني الإحساس بالحزن على أخي الذي كان صديقي وتوءم روحي، فانعقد لساني ولم يضغط عليّ أبي لكي يتعجلني الرد وإنما قال لي إنه يدع لي الأمر للتفكير فيه ويأمل أن أضع مصلحة الطفلين اليتيمين ورغبته ورغبة أمي في ألا يفارقاهما في اعتباري .. ومضت بضعه أيام أخرى وأنا مستغرق في التفكير، أريد أن أحقق لأبي وأمي رغبتهما في أن ينشأ أحفادهما في أحضانهما.. وأتخيل من ناحية أخرى نفسي في موضع أخي من زوجته فأخجل من الفكرة وأنزعج لها.. إلى أن كنت جالساً في غرفتي ذات يوم أقرأ الصحف في الصباح فدخلت أرملة أخي إلى الحجرة ورجتني أن أعقد قراني عليها فقط لكيلا تغادر بيت الأسرة، ولأن أهلها إذا أعادوها إلى بيتهم فلسوف يضغطون عليها بشدة للزواج مرة أخرى ولن تمضي ستة أشهر أو عام على أكثر تقدير إلا وتكون قد تزوجت من آخر رغبت في ذلك أم لم ترغب، ولهذا فهي ترجوني أن أعقد قراني عليها "فقط" لكي أحميها من ذلك وأعين طفليها على البقاء بين أهل أبيهما، وعلى ألا يكون لكل منا شأن بالآخر بعد عقد القرآن لأنها لا تريد الزواج بعد أخي وترغب في أن تتفرغ لتربية طفليها منه!
ولم يكن أمامي من سبيل بعد هذه المصارحة سوى القبول، استجابة لرغبة أبي وأمي.. وجاء أهلها بعد أيام ليصطحبوها معهم، فقال لهم أبي إنه لا داعي لذلك لأن ابنه الآخر سوف يتزوج أرملة أخيه ويربي ابنيه ورحب الأهل بذلك.. وانتظرنا انقضاء فترة العدة.. وما أن انتهت حتى جاء المأذون وعقد قراني عليها.. وبعد القرآن دخلت هي حجرتها ودخلت حجرتي وفي الصباح غادرت البيت وتوجهت إلى الإسكندرية حيث يقيم بعض أقاربي ويعملون، وقضيت في الثغر تسعة شهور كاملة عملت خلالها مع أقاربي ثم علمت أن أبي مريض فعدت إلى بلدتي لزيارته والاطمئنان على أحواله وأحوال أمي، واستقبلتني "زوجتي" بالمصافحة العادية كما كانت تفعل معي وهي زوجة لأخي، وعلمت أن أمي على خلاف معها منذ علمت أن كل ما بيننا هو وثيقة الزواج فقط.. ووجدت العلاقة متأزمة بينهما للغاية واشتريت لزوجتي مسكناً مستقلاً قريباً وانتقلنا إليه، وأصبح من واجبي أن أبيت معها في البيت الجديد لكيلا أدعها وأدع طفليها وحدهم فيه، ومضت حياتنا في البيت الجديد هادئة.. فزوجتي تعد الطعام وتغسل الملابس وترعى الأطفال.. وأنا ألبي مطالبها من الخارج وأرعى مصالح البيت وأرعى الابنين اللذين لا يعرفان لهما أباً غيري.. وأؤدي عملي، وفي المساء يدخل كل منا غرفته ويغلق بابها عليه للصباح.
وبعد فترة من الوقت تساءلت عما يدعونا للاستمرار على هذا النحو إذا كانت الحياة قد جمعت بيننا تحت سقف واحد ولكل منا مصلحة أساسية في رعاية هذين الطفلين.. وقررت بعد تردد طويل أن أفاتحها في أن نحول زواجنا الشكلي إلى زواج حقيقي.. وفعلت ذلك ففوجئت بها تبكي بشدة وتقول لي أنها قد اتفقت معي من البداية على هذا الوضع، وبحيث تعيش لطفليها وعلى ذكرى زوجها، وإني استطيع إذا رغبت في الزواج الحقيقي أن أتزوج من غيرها ولن تعترض على ذلك بل إنها تستطيع أن ترجع للإقامة في بيت أبي لكي يخلو لي هذا المسكن لأتزوج فيه!
وشعرت بالخجل والحياء لردها هذا.. ولم أشأ أن أحرجها أو أحرج نفسي أكثر من ذلك فسكت، ومضت بنا الحياة "وزوجتي" لا تعترف بي عملياً زوجاً لها، وطفلاها، لا يعرفان لهما أباً سواي.. فماذا أفعل يا سيدي.. إن والدتها تنصحني بالصبر عليها، وشقيقها يقول لي أن كل شيء مرهون بالصبر، وهي تنصحني بالزواج وتؤكد لي أنها ستكون سعيدة بحياتها في هذه الحالة بشرط أن أحتفظ بها في عصمتي.. وأنا لم أعد أعرف ما هو الخطأ وما هو الصواب.. فبماذا تنصحني أن أفعل؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
من حقك بالفعل أن تتطلع لأن تحيا حياتك بطريقة طبيعية وتستغني بزوجتك عن غيرها من النساء، ما دامت الأقدار قد جمعت بينكما في رباط مقدس ولكل منكما مصلحة مؤكدة في استمراره إلى النهاية.. أما "الاتفاق" المبدئي بينكما على أن يكون زواجكما شكلياً حتى لا تخرج زوجتك وطفلاها من أحضان أسرتك، فليس مما يعتد به كشرط دائم يعتبر من خالفه كمن نقض العهد وخان الوعود.. لأنه شرط فاسد دعت إليه الضرورة النفسية في الظروف المأساوية التي أحاطت بهذا الزواج.. وربما لو لم تشترطه هي لما راودت نفسك على الارتباط بها متخلصاً من الحرج الإنساني المفهوم في مثل هذه الظروف، ولما استطاعت هي أيضاً أن تتغلب على مشاعرها وأحزانها وحرجها النفسي لتقبل به. غير أن الواقع حتى ولو استعنا في البداية على القبول به بالتحايل على أنفسنا بمثل هذه المبررات والحيل النفسية، لا يلبث أن يرغمنا على أن نحيا حياتنا بطريقة طبيعية، وعلى أن نتقبل بعد حين ما كنا ننكره أو نستفظعه من حقائق الحياة قبل وقت قصير.
ولهذا فإن تمسك زوجتك بهذا الشرط الفاسد حتى الآن هو الذي يعد خروجاً على الاتفاق الضمني المفهوم بغير تصريح بين الطرفين حين تم الزواج وليس تفكيرك في تحويله إلى زواج حقيقي يلبي لك احتياجاتك النفسية والعاطفية هو الخروج على مثل هذا الاتفاق الصامت.
كما أن تصريحها لك بالزواج من غيرها مع بقائها في عصمتك، ليس حلاً مقنعاً للمشكلة.. ذلك أنه ليس كل إنسان قادراً على أن يحيا حياة مزدوجة ينتقل فيها بين زوجتين حتى ولو كانت علاقته بإحداهما شكلية ولأن الزواج مسئولية نفسية وأدبية واجتماعية قبل كل شيء.. وقليلون هم الذين يطيقون تعدد هذه المسئولية في حياتهم. كما أن وجود زوجتك في عصمتك لن يرشحك بسهولة للاستقرار والسعادة مع زوجة أخرى، ولن يكون ذلك الوضع مقبولاً ولا مريحاً لمن تقبل الارتباط بك وإنما سوف يظل بؤرة للمتاعب والقلاقل بينكما على الدوام حتى ولو أقسمت لها أغلظ الأيمان أنه لا يجمع بينك وبين الأولى من مقاصد الزواج سوى والحماية والمسئولية ورعاية الأبناء. وليس من المستبعد كذلك أن ينبه زواجك المقترح هذا لدى زوجتك الأولى مشاعرها الأنثوية واحتياجاتها النفسية الخامدة حالياً تحت ركام الأحزان.. فتتساءل: وماذا يمنعها بعد كل هذا الوقت من رجلها وهو زوجها أمام الله والجميع، فيحركها ذلك لاجتذابك إليها.. أو يحفزها للاحتفاظ بك إذا استشعرت خطر فقدك النهائي واستئثار الأخرى بك.. وليس كل ذلك بمستغرب على النفس البشرية التي لا تستشعر في بعض الأحيان قيمة ما لديها إلا من خلال تقدير الآخرين له!! فلماذا كل هذا العناء.. وقد يسر لنا الله سبحانه وتعالى أن نحيا حياتنا الطبيعية بلا مشاكل ولا اضطرابات؟

إنني أتصور أن ما يحول بينك وبين زوجتك الآن هو قرب الذكرى وبطء التكيف مع الواقع الجديد الذي فرضته عليها الأقدار الحزينة. لكنها في غمار همها بنفسها وأحزانها ينبغي لها أيضاً ألا تظلم شاباً أميناً مثلك قبل أن يضحي بأحلامه الشخصية رعاية لاعتبارات إنسانية وعائلية نبيلة وتعفف عن الضغط على زوجته لنيل ما يصبو إليه منها مراعاة لظروفها النفسية والإنسانية، وإنما لابد أن يدعوها ذلك إلى مراجعة موقفها منه.. وإبراء ذمتها من ظلمها له ومطالبته بما لا يطيقه.. ولا شك أن المشكلة القائمة حالياً بينك وبين زوجتك هي في النهاية مشكلة وقتية لن يلبث الزمن أن يجد لها الحل الموفق لها بمبضعه الذي لا يخيب.. فاعتصم بالصبر يا صديقي.. ولا تستجب الآن لنصيحة زوجتك لك بالزواج من غيرها لأنك لن تسعد في مثل هذا الزواج المقترح.. وإنما أصبر وانتظر.. ولا تدفع الأمور بأكثر مما تحتمله ظروف زوجتك النفسية الحالية وتأكد من أن لك لدى زوجتك القبول النفسي الذي يصلح أساساً كافياً لعلاقة الزواج السليمة بعد حين، بدليل توجهها لك بالرجاء لأن تعقد قرانك عليها لكيلا تغادر بيت الأسرة، حتى ولو كانت قد اشترطت عليك أن يكون زواجك بها صورياً.. ففي تقديري أنها لو لم تكن تقبل بك نفسياً من البداية لما سعت لأن ترتبط بها مثل هذا الارتباط ولتحملت العودة إلى أهلها ومواجهة ضغوطهم للزواج مرة أخرى لأن ذلك أرفق بالمرأة من ارتباطها بأي نوع من الارتباط بمن تنفر منه ولا تطيق وجوده في دائرة تنفسها، لكنها فقط هذه "الإشكالية الإنسانية" التي لم تستطع بعد التكيف معها وهي أن تحل أنت منها محل أخيك الراحل في هذا المدى الزمني القصير، وهي إشكالية الزمن وحده هو الكفيل بحلها.. فأرجو ألا يطول بك الانتظار لمفعوله السحري لكيلا تتجرع عذاب الحرمان ممن تشاركها الحياة لفترة طويلة.. فإذا طال الانتظار عما تطيقه أو بدا لك أن زوجتك تصر بالفعل على مخالفة الطبيعة وعدم التكيف مع الواقع الجديد إلى النهاية، فلا مفر في هذه الحالة من الزواج مرة أخرى وتحمل هذا العناء الجديد الذي ستفرضه عليك هذه الظروف الإنسانية.. كما فرضت عليك من قبل هذه التضحية العائلية.
كتبها من مصدرها بكتاب حصاد الصبر / أحمد محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

www.monte-escalier-prix.org www.monte-escalier-prix.org

الفراشة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شاب في السادسة والثلاثين من عمري، تخرجت في إحدى الكليات النظرية منذ 15 عاماً، وكان أبي مفتشاً بالتربية والتعليم ويقيم مع أسرتي في إحدى مدن الأقاليم، وحين التحقت بجامعة عين شمس جاء بي إلى القاهرة وطاف شوارعها حتى نجح في العثور لي على شقة صغيرة من غرفتين وصالة بإيجار شهري 4 جنيهات وبخلو رجل بسيط لم يزد أيامها عن مائة جنيه.. وقال لي عليك الآن أنت أن تعتمد على نفسك وأن تواجه الحياة، وعملت بإرشاداته ، وتحملت اغترابي عن أمي وأبي وأشقائي في هذه السن الصغيرة .. ونظمت حياتي على أن أعيش بمبلغ عشرين جنيهاً يرسلها لي كل شهر أدفع منها الإيجار الشهري وتكاليف الطعام والمواصلات إلى الجامعة ، أما الكتب والملابس فكان يشتريها لي في بداية كل سنة.
ومضت حياتي رغم صعوبتها التي لم يكن يخفف منها سوى زيارتي الشهرية لبيت الأسرة لأنعم بدفء مشاعر أمي وأشقائي وبالطعام الساخن، الذي كنت لا أذوقه تقريباً إلا في هذه الزيارة لأني أعيش معظم أيام الشهر على الأطعمة الجافة والجبن، وفي السنة الثالثة لي بالكلية نجحت في الحصول على عمل في مجال دراستي بإحدى الهيئات بمكافأة شهرية قدرها 15 جنيهاً وواصلت دراستي بلا صعوبات وفي العام الأخير من دراستي توفي أبي الحبيب وتركني في سن العشرين مسئولاً عن أشقائي الثلاثة، ولم أكن في وضع يسمح لي سوى بتحمل المسئولية الأدبية والنفسية عن إخوتي .. فأعلنت أمي تنازلي عن نصيبي من المعاش وأصبحت أزور أسرتي كل أسبوعين بدلاً من كل شهر.
وواجهت قسوة الحياة بصبر خلال هذه الفترة إذ لم يعد لي في الدنيا راع يهتم بأمري أو يشتري لي الكتب والملابس.
وأذكر أني جلست في شقتي بعد وفاة أبي بشهرين أحاول أن أدبر أمري وأقسم المبلغ الذي يتبقى لي بعد الإيجار على نفقات المعيشة والمواصلات وأعيد الحسابات فلا أجد وسيلة لكي أكفل لنفسي الوجبات الثلاث كل يوم أبداً حتى ولو اقتصرت على الخبز والجبن. ولأن الحاجة هي أم الاختراع كما يقولون فلقد علمتني الأيام وسيلة جديدة لمقاومة الجوع فكنت أشتري البطاطا بكميات كبيرة وكان ثمنها في ذلك الوقت لا يزيد عن 5 قروش للكيلو وأخزنها في البيت فتكون طعامي الوحيد حين تنضب النقود من يدي فأطهوها في الماء حتى تنضج ثم آكلها بالملح فتسد حاجتي من الطعام، وكم من أيام يا صديقي عشتها لا يسد رمقي فيها سوى البطاطا .  وكم من ليال سهرتها لأذاكر وليس في بيتي مما يؤكل سواها بل كم من مرة أكلتها نيئة.. وأجبرت نفسي على ذلك حين  اكتشفت في الليل وأنا أذاكر أن وابور الجاز خال من الوقود والوقت متأخر ولا أستطيع اقتراض بعض الجاز من جيراني الطيبين ، ومع ذلك فلقد مضت الحياة بخيرها وشرها فكنت أذهب للكلية صباحاً وللعمل ظهراً ونجحت في الليسانس وعينت في نفس الهيئة التي عملت بها وأنا طالب بعد عام من تخرجي وزاد مرتبي عشرين جنيهاً وأصبحت ظروفي تسمح لي بأن أقتطع مبلغاً بسيطاً أرسله لأسرتي كل شهر وواصل إخوتي التعليم وافتتحت في عاصمة المحافظة جامعة إقليمية فالتحقوا بها تباعاً فلم نواجه صعوبة كبيرة في مواجهة نفقاتهم، خاصة أني تقدمت في عملي واستعنت بقدرتي على الترجمة في زيادة دخلي وزيادة المبلغ الشهري الذي أساهم به في ميزانية الأسرة، وكان لأمي نصف فدان يدر علينا خمسين جنيهاً كل سنة فأراد المزارع الذي يستأجره أن يشتريه ليبني فوقه بيتاً فاشتراه بسعر معقول قسمته بين أمي وشقيقتي وشقيقيّ ووضعت لكل منهم نصيبه في البنك ليستعين به على مستقبله.. ورفضت أن أحصل على مليم منه أديت واجبي تجاه أسرتي ورددت لأبي بعض أفضاله علي، وركزت جهدي في عملي وفي هذه الفترة كنت أذهب إلى إحدى الهيئات لأقوم بعمل إضافي بها وقد بلغت من العمر التاسعة والعشرين بغير أن أرتبط عاطفياً بأحد لظروفي العائلية ، وفي هذه الهيئة التقيت بفتاة تعمل بها لفت نظري إليها شيء ما في جمالها.. فهي فتاة من هذا النوع الملون الذي يجذب الأنظار. رغم أنها ليست صارخة الجمال.. ووجدت نفسي منجذباً إليها ووجدتها تبدي اهتماماً بي ، ورغم تحذير زميلاتي لي منها بأنها فتاة متقلبة ولا تعرف ماذا تريد ، إذ خطبت قبل ذلك مرتين وفسخت في كل مرة الخطبة من جانبها، فلقد وجدت نفسي غارقاً في حبها وراغباً في الارتباط بها.. أما هي فلقد تقبلت مشاعري بترحيب وطلبت مني أن أترك لها فرصة لكي تكتمل معرفتها بي، وخلال هذه الفترة طلبت زيارتها في البيت وقابلتني أسرتها بالترحيب وكانت أسرة متوسطة في مثل ظروفي لكن فتاتي كانت طموحة وتحلم بحياة أفضل، وصارحتها بظروفي وقلت لها إني من أسرة كريمة لكني مكافح ولا سند لي في الحياة سوى عملي، وأن لي شقة من غرفتين ويمكن أن نبدأ بها ويمكن أيضاً أن أبيعها وأدفع ثمنها كمقدم لشقة أوسع كما أني سأحصل على شقة عن طريق نقابتي المهنية التي تشترك هي نفسها فيها خلال عامين. فرحبت بكل ذلك وأعلنت الخطوبة فعلاً وقدمت لها شبكة لائقة.. وواصلت الليل بالنهار في العمل لأوفر متطلبات الزواج وأصبحت أعمل في 3 جهات في وقت واحد بل وقبلت العمل في وردية الليل بإحدى الهيئات فكنت أخرج منها يومين كل أسبوع إلى عملي الأساسي بلا نوم تقريباً لأواصل العمل حتى المساء ومع ذلك فلقد كنت سعيداً .. ويزداد حبي لها كل يوم، لكن فتاتي بدأت بعد فترة تعاملني بفتور، ثم تتشاغل عني وصارحتها بذلك فبدأت تحدثني عن صعوبات الحياة، وأني لن أستطيع بعد الزواج أن أعمل في 3 جهات.. لكي أواصل الحصول على هذا الدخل العالي و.. و.. وبدت لي الحقيقة قاسية.. فقد وقع ما حذرتني منه زميلاتي.. وحاولت مناقشتها فلم أتوصل معها إلى شيء.. وسألتها عن اعتراضاتها على شخصيتي فقالت لي ساهمة إنها لا تجد فيّ ما تشكو منه فأنا كما قالت شاب وسيم وجاد ومخلص ومستقبلي طيب وتتمناني أي فتاة ولكنها لا تشعر بالاطمئنان للمستقبل معي!.
وأحسست بكلماتها كطعنات تنغرس في قلبي.. وتركتها طالباً منها أن تعطي نفسها فرصة أخرى للتفكير..
ولاحظت زميلة متزوجة لي بالهيئة ما جرى وكانت تتعاطف معي وتحترمني فطلبت مني أن تحادثها لتقنعها واختلت بها في أحد المكاتب لمدة ساعتين ثم خرجت فتعلقت عيناي بها ووجف قلبي.. انتظاراً لكلماتها.. فانفجرت ساخطة: إنس هذه الفتاة نهائياً.. إن ظفرك برقبتها.. وأنا على استعداد لأن أزوجك أجمل وأحسن منها بعد أن تنساها.
وسمعت كلماتها صامتاً.. وأحسست بألم شديد وشكرتها وانصرفت ولم أذهب ليلتها إلى العمل الليلي وفضلت أن أختلي بنفسي في شقتي.. وفي الليل طافت بي صور حياتي الماضية وعرفت أن في الدنيا آلاماً أقسى من الوحدة وافتقاد النصير، وأكثر مرارة من ازدراد البطاطا النيئة.. وبعد يومين خرجت من الشقة، وقد استجمعت إرادتي على أن أنساها ولم أفكر في الإساءة لها أو الانتقام منها لكني حاولت بقدر الإمكان ألا أوجد في الهيئة في ساعات عملها ومضت الأحداث سريعة.. فسمعت بعد فسخ خطبتي بشهرين أنها قد خطبت إلى زميل في نفس الهيئة عائد حديثاً من الإعارة لدولة عربية بعد 5 سنوات ويملك شقة تمليك وسيارة إلخ..
ثم سمعت بعد ستة شهور أخرى أنها قد فسخت خطبتها منه وارتبطت بزميل ثالث في نفس الهيئة جاء دوره للخروج إلى إحدى الدول الأوربية للعمل في وظيفة شبه دبلوماسية تابعة للهيئة لمدة 4 سنوات وعرفت أنها تخلصت من الخطيب العائد بنفس البساطة ونفس القسوة الباردة التي أنهت بها خطبتي لأن حلم السفر إلى أوربا كان أكثر إغراء لها من الشقة التمليك ومدخرات الإعارة!.
وفي هذه الفترة كنت أقضي بعض أوقاتي في مبنى النقابة المهنية التي ننتمي إليها ألعب الشطرنج في الصالة العلوية التي تطل على حديقة النقابة وهي لا تخلو كل يوم تقريباً من فرح أحد الأعضاء فلاحظت على نفسي شيئاً غريباً في هذه الفترة هو أني أحس بأسى شديد داخلي كلما ترامت إلى أذني نغمات زفة العروسة في أي فرح يقام بالنقابة ونغمات الزفة بالذات ولا شيء آخر.. حتى لقد ذرفت الدموع من عيني ذات مرة وأنا أقف في ظلام الصالة وحدي أطل على فرح في الحديقة وفرقة العوالم تزف عروسين إلى الكوشة.. ليس حسداً والله العظيم.. فأنا أحب كل الناس وأتمنى لهم السعادة.. ولكن حزناً على نفسي ؛ لأني أحببت بكل قوتي من لم يحبني ولم يحفظ عهدي.. وكنت أتمنى أن أقف معه نفس هذا الموقف.
وذات مساء كنت ألعب الشطرنج فترامت نفسي النغمات إلى أذني ووجدت في نفسي رغبة مفاجئة لأن أطل من النافذة على الحديقة لأربى الفرح فاعتذرت لصديقي وأطللت من النافذة ففوجئت بها تجلس في الكوشة إلى جوار من اختارته وهي في غاية الابتهاج والسعادة فلم أحتمل المشهد وأسرعت أغادر مبنى النقابة إلى مسكني.
ولعلك تسألني هل كنت لا أزال أحبها؟! وأجيبك بكل الصدق نعم كنت أحبها حتى وهي في الكوشة مع من فضلته علي!ّ لكن ماذا أفعل لقد عشت أياماً بعدها حزيناً أؤدي عملي بلا حماس.. ثم بدأت أستعيد نشاطي وحيويتي وعدت إلى الانتظام في الذهاب للهيئة التي تعمل بها "معذبتي" بعد أن رحلت مع زوجها إلى أوربا.. وبدأت أتعود على الواقع.. ومر عامان على هذه الذكرى الحزينة.. ووجدت نفسي في الواحدة والثلاثين من العمر يجري بي والوحدة أصبحت ثقيلة على فبثثت همي للزميلة المتزوجة التي بذلت مساعيها مع خطيبتي السابقة فنصحتني بالزواج وبدأت استعدادها لتعريفي بجارة لها ترى فيها الصفات التي أطلبها. وطلبت مني بعد أيام زيارتها في بيتها.
وفي الموعد ذهبت إليها فاستقبلتني مع زوجها بالترحيب، ووجدت معهما فتاة توحي ملامحها بالطيبة والألفة والبساطة فاستراح لها قلبي من الوهلة الأولى.. وتبادلنا الأحاديث العادية لمدة 15 دقيقة انصرفت بعدها الفتاة، وانتظرت أن تسألني زميلتي عن رأيي فيها.. فلم تفعل وإنما استمرت في الأحاديث العادية فسألتها مداعباً: لماذا لم تسأليني عن رأيي في "العروسة" فقالت لي بدهشة: أية عروسة؟ إن الفتاة التي حدثتك عنها لم تأت بعد لأنها ستتأخر ساعة لأمر طارئ.. أما الفتاة التي كانت هنا فهي ابنة أختي وقد جاءت على غير موعد في أمر عائلي، ولم يخطر في بالي أن أرشحها لك لأنها مازالت طالبة في الليسانس، والأخرى خريجة وتعمل في وظيفة محترمة! فطلبت منها رؤيتها مرة أخرى ورفضت الانتظار إلى أن تصل الجارة الموعودة وانصرفت، وسئلت الفتاة عن رأيها في فأبدت ارتياحها لي فرأيتها ثم خطبتها وبعد عدة شهور تم الزواج واحتفلت به في نفس حديقة النقابة التي شهدت من قبل آلامي وعذابي، وجرى كل شيء بسهولة ويسر لا تفسير لهما إلا أنها إرادة الله سبحانه وتعالى .. فلقد قبلت خطيبتي الزواج في الشقة الصغيرة إلى أن تأتي شقة النقابة، وقبل أن ينتهي العام الأول من الزواج جاءت الشقة الواسعة فانتقلنا إليها، وبعت شقتي الصغيرة، وحجزت لزوجتي في مستشفى لائق للولادة لكي تضع مولودها الأول، وجاءت طفلتي الحبيبة ( نهى ) لتملأ الدنيا حباً وسعادة، ومعها جاء الخير كله، فترقيت في عملي الأساسي وأصبحت قادراً على الاستغناء عن العمل الليلي، ثم رشحتني الهيئة فجأة وبدون أي سعي مني، للسفر إلى الخارج في بعثة تدريبية لمدة عامين.. وأين؟ في نفس الدولة الأوربية التي تقيم فيها خطيبتي الأولى والتي من أجلها تركت العائد من الدول العربية وكلما عدت إلى زوجتي حاملاً لها خبراً جديداً من هذه الأخبار أحسست بفرحتها الطاغية تعيد إلي ثقتي في نفسي وأحسست أيضاً أن كل ما أصابني من خير يرجع الفضل فيه بعد الله إليها لأنها لا تطلب شيئاً.. وترضى بالقليل.. وتفرح بالشيء الصغير كأنه معجزة لا يستطيع أحد أن يحققها سواي!.
وفي غمار كل ذلك كان حبها يتسلل إلى قلبي رويداً رويداً من الأيام الأولى للزواج فيزحف كل يوم إلى موقع جديد تنسحب منه الأخرى الملونة حتى أحتل كل قلبي وطرد شبحها من قلبي تماماً بعد شهور قليلة. وسافرنا إلى أوربا.. وأكملت الغربة اكتشافي لكل الجوانب الخيرة في زوجتي.. ووجدت نفسي في ليالي الشتاء هناك أحكي لها كل شيء عني وعن كفاحي وعن أيام الحرمان التي عشتها فتسيل دموعها إشفاقاً ويزداد إعجابها بي.. وحبها لي.. وقد مست قلبي حين قالت لي أنها يتيمة مثلي منذ صغرها ولم تستشعر الأمان والحنان إلا معي، وأنها تحس بأن الدنيا قد عوضتها بي عن كل آلامها.. وهكذا أصبح بيتنا عشاً هادئاً يظلله الحب والعطف والحنان.. وواحة يقصدها الأصدقاء الذين تعرفنا بهم في الغربة ومن هؤلاء الأصدقاء تطايرت إلى سمعي أخبار الأخرى الملونة التي تعيس في نفس المدينة.. ويحكي المصريون عن خلافاتها مع زوجها ومشاجراتها التي وصلت إلى حد إبلاغ الشرطة ضده في إحدى المرات بتهمة أنه ضربها بالقلم.. وهي مصيبة كبيرة في الدولة الأوربية  ، وكيف تدخل السفير شخصياً لكي يحول دون حبسه لأن القانون هناك صارماً ولا يرحم في هذه المسألة.. وكيف تطلب السفارة من الهيئة إعادتهما إلى مصر بعد أن كثرت فضائحهما.. إلخ..
ووجدت نفسي أسمع هذه الأخبار بلا أي تأثر كأنها شخص لا أعرفه ولم أسمع به من قبل.. فلا شماتة.. ولا انفعال.. ولا اهتمام بل شكر لله سبحانه وتعالى أن أزال الغشاوة عن عيني واختار لي شريكة حياتي هذه التي لم أسمع صوتها عالياً مرة واحدة خلال أربع سنوات.. ولم نتغاضب على شيء يوماً.. ولا تحتمل أن يقع بيننا أي خلاف صغير مما لا تخلو منه الحياة.. فلا تمضي دقائق حتى تجيئني لتقول لي آسفة فأسارع لأسبقها قبل أن تنطق بها وأقولها أنا لها، أني أقرأ في غربتي رسائل بريد الجمعة التي تروي آلام الناس ومشاكلهم.. وتجاربهم وقد اقترب موعد عودتي فخطر لي أن أكتب لك عن تجربتي لعلها تفيد بعض من يواجهون الموقف الذي واجهته فلا يحزنون على ما فاتهم.. وليعرفوا أن الله سوف يبدلهم بمن خذلوهم من هن أفضل منهن لأن الله لا يضيع أجر المخلصين والسلام عليكم ورحمة الله .

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
لا عجب في أن يبدلك الله بمن هي أفضل ممن خانت عهدك ولم تعرف لك قدرك، بل لعل العجب هو ألا يحدث لك ذلك، فأنت شاب مخلص أمين مكافح تحملت مسئولية نفسك في سن الصبا ومسئولية أسرتك في سن الشباب..وكنت نعم الابن والأخ لأسرتك.. فكيف يضيعك الله يا صديقي؟.
لقد كان حقاً على الحياة أن تعوضك عن صبرك وكفاحك ومعاناتك بمن تجد في صحبتها الدفء والحب والأمان، وكان حقاً على الدنيا أن تجزيك خيراً عميماً عن ترفعك عن الإساءة لمن آذتك والانتقام ممن أدمت مشاعرك في جريها وراء طموحها.
إن الحكماء من أمثالك هم من يترفعون عن الإساءة لغيرهم والانتقام منهم لأنهم يعرفون جيداً أن الدنيا سوف تنوب عنهم في الانتقام لهم ممن أذوهم لأن المكر السيئ لا يحيق دائماً إلا بأهله، ولأن الله جل شأنه لا يتسامح مع من يرتكبون جريمة الإضرار بالآخرين بغير تطرف عيونهم.. فلماذا ننتقم نحن ممن ظلمونا.. ولو صبرنا قليلاً لرأينا بأعيننا انتقام العزيز الجبار منهم.. بلا أي جهد من جانبنا!.
وبعيدو النظر يا صديقي هم من لا يحزنون طويلاً على شيء فاتهم.. ومن يتذكرون دائماً كلمة الإمام أحمد بن حنبل لمن سأله النصيحة: إذا كان كل شيء بقضائه وقدره فالحزن لماذا.
نعم فالحزن لماذا واليأس لماذا يا صديقي والحياة تتجدد كل يوم وما فات قد فات والمؤمل غيب كما يقولون؟.
إننا نتصور أحياناً بعقولنا القاصرة أننا نختار لأنفسنا حياتنا وفقاً لحساباتنا وتدبيرنا فقط فيجهد البعض منا نفسه في التحسب.. والتفكير.. لكيلا نشقى بمن اخترناه في المستقبل وننسى أن المستقبل في النهاية بيد الله وحده وأن مبالغتنا في ذلك لن تغير مما كتب لنا اللوح المحفوظ شيئاً.
نحن مطالبون بالتدبر، هذا صحيح لكننا مطالبون أيضاً بالتسليم بإرادة الله.. وبقبول ما تأتينا به الحياة بصدر رحب وتجربتك الفريدة "خير" مثال على ذلك فأنت قد اخترت في البداية من لم تخترها الأقدار لك.. وزميلتك العطوفة قد اختارت لك أيضاً، فكان الاختيار الحقيقي في النهاية هو ما لم تدبر له أنت وما لم تفكر فيه فكان نعم الاختيار .. ونعم الجزاء.
أما فتاتك الملونة.. فهي فراشة فعلاً في ألوانها الزاهية وفي تنقلها بين الزهور ترشف رحيقها.. وتطير من زهرة إلى زهرة بحثاً عن الأفضل والأنفع.
لكن مصير الفراشات دائماً هو أن يصيدها في آخر الأمر صائد مهما طارت وتنقلب فيصنع بها ما قالته مدام بترفلاي في الأوبرا التي تحمل اسمها لزوجها متخوفة مما يحمله لها المستقبل: يقولون إن الرجل في بلادكم إذا صاد فراشة فإنه يقتلها بإبرة ؟ لكي يحفظها!.

والقتل بالإبرة قد يكون أحياناً أهون من العذاب والمعاناة والتعاسة المستمرة فلا تشمت بها يا صديقي.. فهي دروس الحياة التي تعلمنا كل يوم أنه لا يفلح الظالمون، وأنه عسى أن نكره شيئاً وهو خير لنا.. وعسى أن نحب شيئاً وهو شر لنا. والله يعلم وأنتم لا تعلمون! مع أجمل تمنياتي لك ولزوجتك الوفية. 
كتبها من مصدرها بكتاب نهر الحياة / أحمد محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

www.monte-escalier-prix.org www.monte-escalier-prix.org

ظلال السنين .. رسالة من بريد الجمعة

أنا سيدة متدينة وعلى خلق والحمد لله ويقولون دائما أنني علي قدر كبير من الجمال والمرح ، وقد توفي أبواي وأنا في العشرين من عمري وتزوجت من رجل يشغل مركزا مرموقا وعملت بالتدريس ، وكأي فتاة أقبلت على حياتي الزوجية وكلي رغبة في السعادة والاستقرار والإحساس بالأمان وخاصة بعد أن أصبحت يتيمة الأبوين ولكني ومنذ شهوري الأولي في الزواج بدأت معاناتي مع زوجي و احتمالي لقسوته واهاناته ، وبعد أن أنجبت الأبناء ذقت معه كل ألوان العذاب وأشكاله ، فهو سليط اللسان ويتفوه بألفاظ قذرة أمام الجيران وأمام الجميع .. وكان يقف في شرفة البيت ويطلب من أبني الطفل أن يناديني قائلا بصوت مرتفع يسمعه كل الجيران : ناد الحيوانة التي بالداخل ! .. فيجيئني أبني وهو يرتجف ، واخرج إليه صاغرة ليحاسبني حساب الملكين بأقذر لغة وبأعلى صوت ممكن ، هذا عدا السباب طوال اليوم بمناسبة وبلا مناسبة ، وإيذاءنا أنا وأولادي بالضرب المبرح .. وتقطيع ملابسي أمام عيني وقذفنا لأي سبب تافه بأي شيء تصل إليه يده كالمكواة أو المنبه أو الحذاء .. وأنا ضعيفة الجسم والصحة ولا سند لي في الحياة يدافع عني أو يغضب لي ، وهو قوي البنية ومغتر فلا املك إلا البكاء والتضرع إلى الله والاحتساب عنده ، وتذكير نفسي بأن الله يمهل ولا يهمل ولا يمكن أن يتركني للنهاية تحت رحمه من لا يرحم ضعفي وقلة حيلتي وانكساري معه على طول الخط فضلا عن أنانيته وتفضيله لنفسه على أولاده في المصروف والطعام ، حتى ساءت صحتي تماما وازداد هزالي ونقص وزني إلى 51 كيلو جراما فقط وهو يتمادي في ظلمه لنا .. وازداد سوءا بعد إحالته للتقاعد من وظيفته المرموقة .
وفجأة يا سيدي مرض زوجي وانهار هذا الجبل بلا مقدمات وحار الأطباء في مرضه ثلاث سنوات لم أقصر في أداء واجبي في خدمته خلالها ، ثم توفاه الله بعد أن أثقلتنا الديون ولم يترك لي سوا المعاش و أبنائي الثلاثة الذين شاركوني أتعس الأيام وأسوأ الذكريات .. فنهضت لتحمل مسئوليتي وقمت بسداد جميع الديون والحمد لله والشكر له ، ثم قمت بتغيير أثاث المنزل كله وإعادة تنجيد حجرة النوم والصالون ، كأنما أريد أن أغير المناخ التعيس الذي عشت فيه وأهدرت فيه أحلي سنوات العمر من العشرين حتى بلغت مشارف الخمسين ، وبدأت استعيد صحتي حتى بلغ وزني 71 كيلو جرام والحمد لله .. وتفرغت لرعاية أبنائي وتعويضهم ما حرمت منه من الحنان والفهم والرعاية خلال سنوات الطغيان ، فتخرج الأكبر وعمل بإحدى الشركات وخطب فتاة جميلة طيبة تعمل بوظيفة مرموقة وسعدنا بخطبته وسعد بها ، وتخرج الأخر ويستعد الآن للسفر للخارج وسوف أرسل له بالعروس التي يختارها في أي مكان يحل به وتحفظه فيه رعاية الله و فضله .
 أما اصغر الأبناء الذي تكرر رسوبه في الإعدادية بسبب ما عاناه معنا .. فلقد نجح والحمد لله والتحق بالتعليم المتوسط ويواصل النجاح فيه بلا تعثر .
ثم أحسست ذات يوم ببعض الألم في عيني وشخصه الطبيب بأنه ضغط بالعين ووصف لي الدواء ، فعالجت نفسي .. لكني طلبت من الله أن اغسل وجهي بماء زمزم فإذا به يستجيب لدعائي وقمت بأداء العمرة وزيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ، وتوضأت وغسلت عيني بماء زمزم وتحسنت صحتي كثيرا والحمد لله ولم يعد ينقصني سوى أداء فريضة الحج ، وسوف أؤديها بأمر الله الذي عوضني عن أجمل سنوات العمر التي ضاعت في العذاب والحرمان والإهانة أمام الناس وأكرمني بفضله العظيم بعد العناء ، وأريد أن أقول لكل من يغتر بقوته وصحته أو مركزه أو ماله .. أنه لا شيء يدوم وكل شيء إلى زوال ولا يبقى سوى المعاملة الطيبة بين الناس فلا تضيعوا سنوات العمر في تعذيب الآخرين وإتعاسهم حتى لا يحملوا لكم أسوأ الذكريات وحتى لا تتعرضوا لعقاب الله الذي يمهل حقا .. ولا يمهل أبدا ..
والسلام عليكم و رحمة الله .

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
هناك ثمن يدفعه الناس دائما لأفعالهم ، ولابد أن يحل أجل السداد ذات يوم فإن لم يحل في الدنيا تأجل إلى الآخرة وتضاعفت فاتورته وأضيف إليها سوء الذكرى ولعنة التذكر ، وبالرغم من أن الحياة السعيدة تتطلب دائما ذاكرة ضعيفة تسقط منها إساءات الغير لنا لكي تستقيم لنا الحياة ونستمتع بسلام النفس إلا انه في بعض الأحيان قد يعجز الإنسان عن النسيان حتى لأتصور أحيانا أنه لا السيئة تنسي لصحابها بعد حين ولا العمل الطيب ينسي أيضا لصاحبه وإن بدا للعيان عكس ذلك كأنما نقول مع الأديب الفرنسي جوستاف فلوبير أنه " بينما يواصل جسدي رحلته إلى الأمام .. فإن أفكاري لا تفتأ تلتفت إلى الخلف وتعود إلى الأيام الماضية " أو كأننا نمشي إلى الأمام وأفكارنا تمشي في الطريق العكسي إلى أيامنا الماضية .. فان كانت سعيدة فإلى ذكريات سعادتنا وإن كانت شقية فإلي ذكريات التعاسة والشقاء ورغم سطوة الماضي على الإنسان فانه ليس من العدل أن نسمح لما شقينا به في أيامنا الماضية بأن يفسد علينا ما تبقي لنا من رشفات الحياة ، ولابد أن ينتزع الإنسان نفسه من مرارته وعذاباته القديمة ويمضي إلى الأمام بقلب يخفق بالأمل في رحمه ربه .
وأنت يا سيدتي قد فعلت كل ما أملاه عليك واجبك كزوجة وأم اختارت أبناءها وقاسمتهم ظروفهم وحياتهم وصبرت على ما تكرهين حتى زالت أسباب الشقاء ووصل أبناؤك إلى بر الأمان وتفتحت السبل أمامهم ، واستعدت أنت رونقك وصحتك وسعدت بأبنائك وسعدوا بك ، فامسحي ظلال هذا الماضي التعيس عن كتفيك .. ولا تعيشي أسيرة لذكرياته المريرة ولا تنقصي من أجر الصابرين الذين يوفيهم الله أجرهم بغير حساب بذكر زوجك بسوء أمام الغير وبالذات مع أبنائك .. ولا تطلبي له من ربه إلا الرحمة والمغفرة و لا يكون ممن " لم يتركوا الذنوب .. حتى تركتهم الذنوب " إي حتى عجزوا عن أن يقترفوا المزيد منها .
 وجددي حياتك وعلاقاتك العائلية و الاجتماعية كما جددت بيتك لكي يشغل ذلك عن اجترار الأحزان ، أما نداؤك الأخير فمما يستحق فعلا أن يتأمله كل إنسان رجلا كان أم امرأة ويتفكر فيه طويلا ويعمل به .. لكيلا يغتر بشيء من متاع الغرور ولكي يصنع لنفسه بعد موته ذكرها ولكي يعرف جيدا أن ذاكرة الأفراد كذاكرة الشعوب قد تنسي كل شيء وأي شيء .. لكنها لا تنسى أبدأ من قهرها وأذلها .. ولا تغفر له ذلك و إن طال المدى !
 كتبها من مصدرها بكتاب أزواج وزوجات / سالي ياسر
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي






www.monte-escalier-prix.org www.monte-escalier-prix.org

الرجل الصائب .. رسالة من بريد الجمعة

أنا سيدة عمري‏24‏ سنة متزوجة من إنسان حرت في أمري معه‏..‏ فأنا أحبه منذ أربع سنوات‏..‏ وقد تزوجنا منذ عامين‏..‏ لكني في معظم الأوقات أشعر أنه لا يحبني وهو يقول لي انه قد تزوجني فقط لأنني أحبه‏..‏ كما انه قد بدأ بعد الزواج بشهرين فقط يسيء معاملتي ويقسو علي وينفجر في لأتفه الأسباب وينهال علي بالضرب بكل قسوة‏,‏ فلا يكاد يمضي أسبوع واحد دون أن يعتدي علي بالضرب المبرح وأنا أتحمل ولا ارغب في الانفصال عنه‏..‏ وهو يقول لي إنه يشفق علي من أن يتركني لأني متعلقة به ولولا ذلك لتركني‏..‏ وأنا أتحمل وأتحمل ‏..‏ وأتحمل إلى ما لانهاية ‏..‏ ولا أطلب منه شيئا إلا أن يكف عن ضربي بقسوة لأتفه الأسباب‏..‏ وهو بعد كل مرة يؤذيني فيها يعدني ألا يكرر ذلك مرة أخرى فلا تمضي أيام حتى يكرره‏.‏
وقد استجمعت إرادتي في المرة الأخيرة وقررت أن اكسر قلبي وأتركه وأرجع إلى أهلي إذا ضربني مرة أخرى‏,‏ فانا لست من الشارع وإنما من أسرة طيبة وأبي ضابط كبير متقاعد ووالدتي ربة بيت من أسرة كريمة ولي أخت متزوجة من أستاذ جامعة يحبها ويحترمها‏..‏ وأنا وحدي التي أهان واضرب بقسوة وفي كل مرة أكتم عن والدتي وأبي ما يجري ولا اظهر لهما شيئا‏..‏ واخفي  
آثار الضرب لأن أبي لو عرف به فسوف يفقد أعصابه وقد يقتل زوجي في ثورته فافقد الاثنين معا‏..‏ وأنا لم أنجب أطفالا بعد‏..‏ وقد حملت من زوجي مرة‏,‏ لكن الحمل لم يكتمل وتم إجهاضي‏.‏

وزوجي يريدني أن احمل مرة أخري وأنا خائفة من المستقبل لأنه من النوع الذي لا يعترف بالخطأ أبدا‏,‏ ويرى نفسه دائما على حق‏..‏ وحتى وهو يصالحني بعد الضرب يجعلني أنا المخطئة من البداية وكنت السبب فيما فعل‏,‏ كما انه يهددني كل عدة أيام بأنه سوف يطلقني ويتزوج من هي أفضل مني‏..‏ ولا يكف عن تكرار ذلك إلا بعد أن أبكي أمامه‏.‏
وهو الآن يعدني بأنه لن يعتدي علي مرة أخري‏,‏ ولكني لا أصدقه‏,‏ لأنه وعدني نفس هذا الوعد قبل ذلك ما لا يقل عن‏50‏ مرة ولم يصدق فيه‏..‏

وأريد أن أستشيرك في أمري ‏..‏ هل استمر معه أم انفصل عنه‏..‏ وهل أحمل منه أم أؤجل الحمل الآن‏..‏ انه يشعرني في كل لحظة‏,‏ أنني لست جميلة ولا استحق أن أكون زوجة له مع أني مقبولة الشكل وأسرتي أفضل من أسرته وهو خائب في عمله وكل عدة شهور يخرج من العمل ويبحث له أبي عن عمل جديد وأبي انفق بكرم على زواجي‏..‏ وتقبل ما كان معه من ماديات قليلة ويحترم زوجي‏..‏ وأمي ترحب به بحرارة وأسرتي  
تساعدني بمصروف شهري‏,‏ لكنه يكره الجميع‏..‏ ولا يرى في الدنيا كلها إنسانا جيدا سواه هو فأرجو أن تشير علي بما افعل لأني لا أريد إشراك أبي في مشكلتي الآن‏..‏ وسوف ألتزم بما تقوله لي‏..‏
كما أرجو أن تكتب لزوجي وترجوه أن يحسن معاملتي لأن ما يفعله معي حرام‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة اقول‏:‏
ما هذا الضعف والهوان وقلة الحيلة يا ابنتي؟
وماذا يجبرك على تحمل كل هذا الأذى من زوجك المغرور الذي لا يتورع عن ضربك لأتفه الأسباب ولا يعترف بخطئه أبدا‏,‏ ولا يصدق في وعد له بعدم تكرار الاعتداء عليك‏..‏ ولا يترفق بك ولا يحسن عشرتك ولا يرى في الدنيا كلها إنسانا جيدا سواه؟ بل وكيف فقدت حملك الأول‏..‏ وهل كان لإيذائه البدني دور في ذلك وتكتمت الأمر كالعادة أم كان لأسباب أخرى؟‏!..‏ وهل يكفي الحب وحده لتجرع كل هذه المذلة إلى ما لانهاية‏..‏

وإلى  متى سيصمد هذا الحب وهو يحمل معه بذور الفناء بسبب قسوة زوجك عليك واستهانته بشأنك وجرحه الدائم لمشاعرك‏.‏
ولماذا لم تشركي والدتك في أمرك منذ البداية وتطلبي منها المشورة في هذا البلاء‏..‏ وهل تبلغ بك الرغبة في  
حماية زوجك هذا حد تكتم هذا الإذلال الدائم لك عن أهلك بل وعن أهله هو أيضا‏..‏

إنني لا أرضى لك بأن تكوني من رقيق الحب الذين يتجرعون الهوان بسبب خوفهم الذليل من فقد المحبوب‏,‏ وارى أن زوجك المغرور هذا الذي يحاكي صولة الأسد معك مستغلا ضعفك معه إنما يكرر نموذج الرجل الصائب الذي كشف لنا عالم النفس فان فوجت ملامح شخصيته في دراسة حديثة له‏,‏ وهو كل كائن بشري يوقن في نفسه بأنه على صواب مطلق في كل ما يفعله وكل ما يفكر فيه ولا يعترف تحت أي ظرف من الظروف بأنه على خطأ‏..‏ ويعيش في عالم من صنع خياله ويتجاهل جوانب الواقع التي تتعارض مع هذا العالم‏..‏ ويحركه إحساسه بالدونية لان يرغب في أن يكون شخصا ذا شأن ولأنه غالبا لا يحقق نجاحا مذكورا في حياته العملية‏..‏ فإنه يتجه بهذه الرغبة غالبا إلى حياته الشخصية‏..‏ ويشعر بثقته بنفسه حين ينجح في إخضاع امرأته له خضوعا مطلقا‏,‏ وبالزهو حين يحس بحبها له أو إعجابها به‏..‏ وهو رجل عنيف دائما وكثيرا ما يقسو على امرأته انطلاقا من هذه الدوافع‏..‏ وكثيرا ما يهددها بالهجر ويشعرها بتفضله عليها بالاستمرار معها‏..‏ ويعنفها على الدوام ويهاجمها على طول الخط‏..‏ فإذا هجرته امرأته بعد أن تفيض كأسها منه‏,‏ فإنه للدهشة يفقد كل أسباب قوته الموهومة هذه وينهار فجأة ويتحول من  
القوة والزهو إلى التوسل والتضرع لامرأته لكي ترجع إليه‏,‏ وقد يمتهن نفسه ويبذل كل غال ورخيص في سبيل استعادتها‏..‏ فإذا رفضت العودة إليه وكثيرا ما تفعل ذلك لأنها تكون عادة قد تحررت من حبها السابق له‏.‏ فقد يلاحقها بمحاولاته وقد يصل به الأمر إلى حد تهديدها والتفكير في إيذائها والعنف معها‏!‏

وفي تقديري أن زوجك الشاب من هذا النمط من الشخصية المركبة‏,‏ لهذا فإن نصيحتي لك هي أن تؤجلي الإنجاب والحمل منه إلى أن تتضح لك معالم المستقبل‏..‏ وأن تكفي علي الفور عن حمايته والتستر علي إيذائه البدني لك‏,‏ وأن تضعي أمامه في حضور أهله على الأقل في البداية القضية على هذا النحو المبسط‏:‏ إما إمساك بمعروف والكف عن الإيذاء والإذلال والتهديد بالهجر الخ‏..‏ وإما تسريح بإحسان وإلى غير رجعة‏!‏
ولا تسامح بعد ذلك أبدا مع أي بادرة إيذاء بدني من جانبه لك‏,‏ فإذا استسلم لشياطينه من جديد واعتدى عليك بالضرب فاهجريه بلا تردد واحتمي بأهلك منه‏..‏ ولا تقبلي منه عذرا ولاتبريرا‏,‏ بل وليتك تفعلين ذلك من الآن لأنه لا أمل كبيرا في انصلاح أحواله‏,‏ لكن ماذا نقول وأنت مازلت للأسف أسيرة لوهم حبه اللعين هذا‏..‏ وإن كان لن يطول كثيرا بكل تأكيد‏.‏

* نشرت عام 2002
˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·
نقلها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
                         Rofida Mohamed Ismail                       
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


www.monte-escalier-prix.org www.monte-escalier-prix.org

الكلمات الممرورة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا فتاة في الخامسة والعشرين من عمري على قدر متوسط من الجمال وقدر كبير من العلم، فأنا خريجة إحدى الكليات المرموقة وأجيد عدة لغات كما أنني متدينة إلى حد كبير وأؤدي كل الفروض الدينية وأرعى الله في تصرفاتي.. وأبي رجل ناجح كل هدفه في الحياة أن يوفر لنا ما نتمناه.. أما أمي فهي سيدة لا توصف بأفضل من أنها أم بكل معنى الكلمة.. وأنا إحدى ابنتين رزق بهما أبواي، فعشنا معاً حياة سعيدة كأسرة مترابطة ومتحابة والحمد لله. ولكي أصل معك إلى ما أرغب في استشارتك فيه، فإنه يجب أن أرجع إلى الوراء عشرين سنة.. حيث كانت لي خالة تصغر أمي بعام واحد، وحدث أن تعرضت مع زوجها لحادث سيارة أليم أودى بحياتهما معاً ولم ينج من الحادث المؤلم سوى طفلهما الوحيد وكان في الثالثة من عمره في ذلك الوقت، ولما كان أبي يرغب بشدة في أن يكون له ولد بعد أن رزق بابنتين، فلقد أصر على أن ينتقل هذا الطفل البريء للعيش معنا وأصبح منذ ذلك الحين أخاً لنا، وأصبحنا نحن الثلاثة سواسية بالنسبة لأبي وأمي، واعتدت أن أسمع أمي تشير إليه في حديثها معي أو مع شقيقتي بكلمة "أخوك" فإذا أرادت أن تنبهه إلى موعد المذاكرة طلبت مني أن أبلغ "أخي" بضرورة أداء الواجب المدرسي واستذكار الدروس، وإذا مرض قالت لي: أعطي أخاك الدواء في موعده.. فلم نشعر في يوم من الأيام بأي فارق بيننا وبينه، وأحببناه كما تحب الأخت أخاها وأحبنا هو حباً عميقاً وصامتاً في أغلب الأحيان لأنه قليل الكلام. ومرت بنا السنون وبلغنا سن الشباب وفهم الأطفال السابقون حقائق الحياة، فلاحظت أن مشاعر الأخوة التي يحملها لي "أخي" هذا قد بدأت تتحول لديه إلى إعجاب مكتوم بي، وأدركت ما طرأ على مشاعره من تطورات بالنسبة لي، لكني لم أعطه أية إشارة إلى فهمي لذلك، إلى أن جاء اليوم الذي استجمع فيه كل شجاعته وصارحني بما خشيت دوماً أن يصارحني به، ووجدت نفسي أهرب من المواجهة وأقول له على الفور إنه أصغر مني بعامين، لكن ذلك لم يكن يعنيه في كثير أو قليل، وظل على حبه لي يظهره لي تارة، ويكتمه في صدره تارة أخرى، وظللت أنا على موقفي منه وهو أن ما يجمعني به هو مشاعر الإخوة وحدها، بالرغم من حبي لصحبته وجلسته وضحكته واهتمامي بكل شئونه.
ومضت فترة ظننت خلالها أنه قد برأ من الهوى.. وظننتني أنا قد نسيت ما حدث ورجعنا شقيقين محبين كما كنا دائماً.. وتمت خطبتي لشخص يكبرني ببضع سنوات وتجمعنا معاً عوامل مشتركة عديدة كالمستوى الاجتماعي والثقافي والمادي فضلاً عن مركزه ومستقبله الذي تحلم به أية فتاة. وأقمنا حفلاً كبيراً للخطبة في مكان عام ورأيتني في هذا الحفل سعيدة وكل من حولي سعداء مثلي.. حتى أخي هذا رأيته سعيداً بي وهنأني من قلبه وقدم لي هدية ثمينة من نقوده الخاصة لأن له مالاً ورثه عن أبويه ويعمل عملاً مرموقاً. ومضت الأسابيع والشهور بعد الخطبة فوجدتني لا أحس بالاقتراب ممن سوف أرتبط به إلى نهاية العمر بالرغم من حبه لي، واقتناعي العقلي به، وعلى الناحية الأخرى فلقد شعرت بأن حمى هواي قد عادت "أخي" هذا مرة أخرى. وظهر لي أنها لم تفارقه من الأصل خلال الفترة التي ظننته قد برأ فيها منها، ورأيته يتعذب في صمت.. وتفلت منه الإشارات والكلمات الممرورة التي يتحدث فيها عن قدره في الدنيا ونصيبه.. والحرمان ممن يحب القلب، وكيف تطالبه أقداره بأن يسعد لسعادة من يحبه ولو ضحى هو من أجله بسعادته الخ.. ووجدتني أتأثر بهذه الكلمات الحزينة الممرورة.. ولا أبخل عليه في بعض الأحيان ببعض الكلمات أو الهمسات الحميمة وبعد ذلك أشعر بعذاب الضمير وأتساءل أيكون ما فعلته هذا خطأ أو بداية للخطأ.. وأسلم بأنه خطأ، وأعتزم عدم تكراره لكني أجدني بالرغم من ذلك لا يطاوعني قلبي على تركه وحيداً.. وهو الذي لا يتكلم إلا معي ولا يأكل إلا إذا كنت إلى جواره.. ولا يطمئن له جانب إلا إذا رآني في مجال نظره.. إنني أعرف أنه لا مجال للحب لأنه أخي ولأنه يصغرني في السن لكن ما حيلتي في القلب يا سيدي؟!
إنني أصلي وأدعو ربي أن يرفع عنه هذا العناء وأن يلهمني الصواب، ويقول لي عقلي إنني إذا حاولت الاقتراب أكثر من خطيبي فسوف أنجح وأنا أعلم أنك مع العقل دائماً وأنك ترجحه عند الاختيار بينه وبين غيره.. و"أخي" هذا في نفس مستوانا العلمي وتربيتنا الأخلاقية فبماذا تنصحني للتعامل الحكيم مع هذا الإنسان الذي هو جزء لا يتجزأ من قلبي؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
ومن الذي قال إن أحكام العقل لابد أن تتعارض دائماً مع أحكام القلب؟ إنهما كثيراً ما يتوافقان وتوافقهما من علامات التوفيق الإلهي للموعودين بالسعادة في الأرض، غير أن أحد أسباب الشقاء الإنساني هو أننا قد نضيع من أيدينا في بعض الأحيان فرص السعادة الحقيقة التي تتوافق فيها أحكام العقل مع أحكام القلب، لأننا ننكص عن طلبها في الوقت المناسب ونتحمل تبعات ذلك بشجاعة، أو لأننا في أحيان أخرى قد نفضل أن ندور حول رغباتنا بدلاً من الاعتراف بها لأنفسنا والمجاهرة بما نرغبه منها ولو تحملنا في سبيل ذلك بعض العناء كضريبة ضرورية لنيل ما نريد، أو لأننا قد نغمغم لأنفسنا بما نرغبه أحياناً ونترقب من الأقدار أن تهبه لنا بغير أن نبدو نحن ساعين إليه أو متلهفين عليه، لأننا نخجل من طلبه أو المجاهرة به.. و "الخياط العظيم لا يقص كثيراً" كما يقول لنا الحكيم الصيني القديم لو- تسو. وإنما يمضي إلى هدفه المحدد بلا تردد فلا يقطع إلا ما يتطلبه تحقيق هذا الهدف، أما نحن فإننا "نقص كثيراً" في اتجاهات مختلفة وبعيدة عن الهدف الذي نتمناه صامتين وننتظر من "يرغمنا" على السعادة التي نريدها في أعماقنا.. وما تروينه لي في رسالتك هذه مثال جديد على "القص" بعيداً عن الهدف المنشود، مما لا يثمر دائماً سوى ضياع الجهد والوقت الثمين بلا طائل، فأنت تكادين لا تنكرين أن مشاعرك العاطفية تجاه ابن خالتك لم تعد هي نفس المشاعر "الأخوية" السابقة بأي حال من الأحوال، ولا تنكرين أنك قد بدأت تتجاوبين معه عاطفياً وتشعرين بأنه كما تقولين "جزء لا يتجزأ من قلبك" وتؤكدين أنك لا تستطيعين تركه وحيداً، لكنك من ناحية ثانية ترجعين إلى "القص" في الاتجاه البعيد عن الهدف وتقولين إنه لا مجال للحب بينكما لأنه "أخوك" ولأنه يصغرك في السن!!
والحقيقة التي ينبغي لك أن تعترفي بها لنفسك وتتحملي تبعاتها بشجاعة أدبية هو أن ما يربطك بهذا الشاب الآن لا علاقة له بالمشاعر "الأخوية" ولا بما يربط الأخ بأخته.. غير أنك تجفلين من الإقرار بذلك لأن تجاوبك العاطفي معه لم يبدأ للأسف إلا بعد أن ارتبطت بغيره وتمت خطبتك له، وإلا بعد أن أتيحت لك فرصة اختبار المشاعر والمقارنة بين ما تشعرين به تجاهه.. وما لم تشعري بمثله تجاه خطيبك، وبالتالي فإن الإقرار بالحقيقة سوف تكون له تداعيات غير هينة على المستوى العائلي والاجتماعي، منها ما سوف تشعرين به من حرج تجاه هذا الخطيب الذي لم يرغمك  على القبول به، وتجاه أبويك اللذين لم يفرضاه عليك، وما يترتب على كل ذلك من أعباء فسخ الخطبة وتحمل اللوم العائلي من أسرة الخطيب وأسرتك على السواء.. وليس حديثك عن اختيار العقل الذي يتعارض مع اختيار القلب سوى ضرب آخر من خداع النفس، لأن فتاك لا يصغرك في السن سوى بعامين فقط لا غير وهما فارق هين في السن يمكن احتماله ولا يؤثر جدياً على نجاح العلاقة الزوجية إذا استقرت سفينتك في مرفئه.. كما أنه يماثلك في المستوى العائلي والاجتماعي والعلمي، ويفضل غيره بما ينطوي عليه لك من مشاعر أصيلة عميقة لا يبدو معها في الأفق القريب أي احتمال لأن تتحول عنك أو تسلم باليأس منك.. كما أن علاقتك العائلية به أبدية، ولسوف يظل موجوداً بشكل أو بآخر في أفق حياتك العائلية إذا تزوجت غيره.. وقد ينذر ذلك بتحول المشاعر المكتومة الآن إلى علنية غداً، وقد يرشحك هذا للضعف العاطفي معه في المستقبل، ويورثك الندم على أنك لم تتحملي العاصفة مبكراً وتصححي مسار حياتك من قبل البداية، فلماذا كل هذا العناء وتصحيح الأخطاء في بدايتها أيسر كثيراً من محاولة تصحيحها بعد الزواج والإنجاب؟!
إن حياتك الآن من صنع يديك وعقلك وأفكارك.. وتستطيعين أن تحسني الاختيار لها، أو العكس، ولست بناصحك بأن تتسرعي بفسخ خطبتك الحالية ومواجهة العاصفة العائلية التي لا مفر منها، وإنما سأنصحك فقط بأن تواجهي نفسك مواجهة صريحة وحاسمة، وأن تجري معها حواراً عقلانياً هادئاً تحددي بعده حقيقة مشاعرك تجاه هذا الشاب المتيم بك، وحقيقة رغباتك بشأن حياتك، فإذا أسفرت المواجهة عن رغبتك في استكمال المشوار مع خطيبك ومحاولة بعث شرارة العاطفة في قلبك تجاهه، فعليك أن تتوجهي بجماع نفسك إلى هذه المحاولة وأن تكفي عن كل ما يشرد بك بعيداً عنها أو يشوش عليها من قبيل الكلمات والهمسات الحميمة مع ابن خالتك وقضاء الأوقات الطويلة معه.. والتغلغل في تفاصيل حياته وشئونه.. إلخ.. أما إذا أسفرت عن الاعتراف لنفسك بأنك تبادلين هذا الشاب مشاعره.. ويصعب عليك الافتراق عنه، فلابد أيضاً من أن تمضي في الطريق الذي يجمع بينك وبينه بالرباط المقدس وأن تتحملي تبعات هذا الاختيار بشجاعة وتدفعي ضريبته راضية.. فذلك أكرم وأفضل لك من التمزق العاطفي بين خطيبك وبين هذا الشاب الذي يبدو أنه قدرك في الحياة كما أنك أنت بالمثل قدره، وهو أيضاً أكرم وأفضل لخطيبك من أن ترتبطي به ومشاعرك العاطفية تتجه إلى غيره مما قد يرشحك للخطأ معه في المستقبل.
لقد كان الأديب الفرنسي بلزاك يقول إن ميلاد الحب كولادة طفل.. عسير لكنه بهيج!

فلتكن إذن العاصفة العائلية الناجمة عن فسخ الخطبة إذا استقر اختيارك على ابن خالتك، هي آلام هذه الولادة.. ولتكن بهجتها هي العزاء لك عنها.. وفي كل الأحوال فإني لا أنصحك أبداً بالارتباط بشاب ما مهما تكن ميزاته.. ورضاء العقل عنه، ومشاعرك العاطفية أسيرة لدى شاب آخر لا يعترض عليه العقل كذلك، وتتوافر فيه أيضاً كل المزايا ولا يعيبه "ظاهرياً" في نظرك سوى أنه يصغرك بعامين.. وإنك تخجلين من الاعتراف لنفسك بحبه بعد أن رفضته من قبل وارتبطت بغيره وعلم الجميع بهذا الارتباط المعلن.


* نشرت عام 1999

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·
كتبها من مصدرها بكتاب حصاد الصبر
                         Ahmed Mahmoud El-magn                         
تدقيق إملائي ونحوي
Mohammed yousry
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


تابعونا على الفيس بوك
الصفحة الرسمية لمحبي الأستاذ عبد الوهاب مطاوع

www.monte-escalier-prix.org www.monte-escalier-prix.org

ذكريات الحب والسعادة .. رسالة من بريد الجمعة

أكتب إليك قصتي عسى أن يجد فيها بعض المهمومين زادا يعينهم على التماسك ومواصلة الطريق ‏..‏ فأنا شاب في التاسعة والثلاثين من العمر، ومنذ ‏13‏ عاما التقيت بفتاة جذبتني إليها بشدة‏,‏ فقد كانت شعلة من النشاط وجذابة وأنيقة ومتوهجة ولا تفارق الابتسامة وجهها‏,‏ وأحب كل منا الآخر‏,‏ وتقدمت لخطبتها على الفور‏,‏ وعقدنا قراننا بعد شهر واحد من رؤيتي لها لأول مرة‏,‏ وبدأت أكرس كل جهدي لإعداد عش الزوجية وبذلت جهدا مضاعفا في سبيل ذلك‏,‏ لأنني من أسرة بسيطة ولا أحمل إلا مؤهلا فوق المتوسط‏,‏ وفتح الله علي بعمل في اليمن كمدير مقيم لإحدى القرى السياحية‏,‏ فشددت الرحال إلى هناك وكان عمري وقتها‏ 28‏ عاما‏,‏ وعملت لمدة عام ثم رجعت إلى بلدي عقب غزو الكويت‏..‏ وقد أثمرت الرحلة بناء جدار عش الزوجية المرتقب وبقي التشطيب والمحارة‏..‏
وذات يوم كنت في زيارة خطيبتي في بيت أسرتها‏..‏ ففوجئت بها تتعرض لنوبة آلام قاسية‏,‏ فأسرعت بها إلى أقرب مستشفى‏,‏ ونصحنا الطبيب هناك بالتوجه إلى القصر العيني فهرولت معها إلى هناك ومعي شقيقها‏,‏ أما والدها فكان في عمله‏..‏ وأما والدتها فلقد رحلت عن الحياة منذ سنوات‏,‏ وكل من شقيقتيها في بيت زوجها‏,‏ وأظهرت الفحوص والاشعات أن ضغط دم خطيبتي مرتفع للغاية ويصل إلي‏280‏ علي‏210,‏ مما يهدد حياتها بالخطر‏,‏ كما أظهرت أيضا أنها بلا كلية يمني‏,‏ وأن هناك بدلا منها مجموعة من الأورام ملأت فراغها وامتدت إلى الكبد‏,‏ وتذكرت في هذه اللحظة أن خطيبتي كانت قد أبلغتني قبل الخطبة أنها أجريت لها عملية لإزالة الغدة فوق الكلوية‏..‏ وحين جاء والدها وواجهته بما عرفت صارحني بأنه قد أجريت لها عملية لإزالة الكلية اليمني عام‏1984‏ لتضخم الغدة التي تعلوها‏,‏ وأنهم لم يخبروها بذلك حتى لا تتأثر نفسيا‏,‏ المهم أن التحاليل أثبتت أن الورم من النوع الخبيث وأنه يفرز الادرينالين باستمرار‏,‏ مما يؤدي إلي ارتفاع ضغط الدم‏,‏ وأنه قد بدأ منذ عام‏1984,‏ لكن الطبيب المعالج وقتها لم يتابعه بالعلاج الكيماوي مما أدى إلى عودته‏,‏ وعولجت خطيبتي علاجا كيماويا

فلم يؤثر في الورم‏,‏ وتبين أنه لابد من إجراء جراحة لها فتم إجراؤها دون تحسن ظاهر‏..‏ وأظهرت الاشعات أن الورم قد تعمق في الكبد وأن الوريد في طريقه للانسداد وعندما يحدث سيتوقف القلب‏,‏ وبالتالي فإن الحالة ميئوس منها وخطيبتي قد لا تكمل العام‏.‏
وزلزلني ما سمعت من الطبيب‏,‏ وفي لحظة إشراق وجدت نفسي أسأله عن إمكانية إتمام زواجي منها الآن وفي هذه الظروف‏,‏ فتعجب لما قلت واتهمني بالجنون‏,‏ لأنه يحدثني عن الموت‏,‏ وأحدثه عن الزواج‏,‏ ثم قال لي في النهاية أنت وشأنك فيما تختار‏.‏

وتكتمت الأخبار السيئة عنها وعن الجميع بل وزعمت لها أنها قد شفيت وليس عليها سوى متابعة حالة ضغط الدم وتناول العلاج المطلوب‏,‏ وبدأنا نناقش خطوات استكمال عش الزوجية وإتمام الزواج في أقرب وقت‏..‏ وسعدت خطيبتي غاية السعادة بحماسي لإتمام الزواج في أقرب وقت‏,‏ وشاركتها سعادتها وأنا أستعيد في ذهني ما قرأته من قبل لأحد الكتاب الكبار من أن في داخل كل منا طاقة عظيمة إذا تم استنفارها فإنها قد تقهر كل الأمراض‏,‏ وراهنت على أن هذه الطاقة تكمن في التعلق بأمل أو حلم يسعي الإنسان بقوة لتحقيقه‏.‏
وبدأت أنا وزوجتي ننسج أحلامنا البسيطة ونسعد بتحقيق كل خطوة منها‏..‏ من دهان الشقة إلى شراء الأدوات الكهربائية إلى شراء المطبخ‏..‏ إلى الصالون‏,‏ وكلما حققنا حلما طارت خطيبتي من الفرح‏..‏ وبقوة السعادة والأمل في الحياة عاشت فتأتي سنوات‏94,93,92‏ بلا نكسات مرضية شديدة‏,‏ بعد أن كان الطبيب يقدر لها بضعة شهور على قيد الحياة‏.‏
وأخيرا اكتمل إعداد عش الزوجية ولم يبق إلا الزواج‏.‏

فقمت بزيارة سرية إلي طبيبة لأمراض النساء وعرضت عليها الحالة وتقاريرها الطبية الكاملة وطلبت نصيحتها في مسألة الزواج‏,‏ فأوصت بإلغاء الإنجاب نهائيا من حياتنا لأن أي حمل سوف يرفع من ضغط الدم المرتفع أصلا وسيؤدي إلي تسمم الجنين ووفاته ووفاة الأم‏.‏
ورجعت إلي زوجتي وأقنعتها بضرورة استبعاد فكرة الحمل مؤقتا حتى يتم تنظيم ضغطها‏,‏ واقتنعت هي على الفور على أساس أنها مرحلة مؤقتة وتزوجنا‏..‏ وملأت زوجتي حياتي دفئا وحبا وسعادة‏,‏ ونظمت لي حياتي مما مكنني من ممارسة هواياتي بشكل مريح‏.‏

وبرغم السعادة الصافية‏..‏ فلم تخل الحياة من بعض النكسات المؤلمة‏..‏ كإصابتها بجلطة في المخ نتيجة لارتفاع ضغط الدم وهي نائمة ذات ليلة‏,‏ ثم بجلطتين بعد ذلك خلال عامين‏,‏ والحمد لله فقد شفيت من آثار هذه الجلطات الثلاث في فترات قياسية وعادت تتحرك بقوة‏..‏ وتتوهج بالنشاط والحيوية كما رأيتها أول مرة‏..‏ بل وراحت تبحث عن الإنجاب‏..‏
وبعد جراحة ثالثة لها منذ‏3‏ سنوات مرت زوجتي بفترة علاج كيماوي مكثف‏,‏ كانت خلاله تتناول‏40‏ قرصا من الدواء كل يوم ..‏ واستمر هذا الحال عاما كاملا هدأت بعده الأحوال‏,‏ وانخفض عدد الأقراص إلى‏20‏ كل يوم ورجعت إلى التفكير في الإنجاب لشعورها بالنقص أمام عائلتي‏,‏ وبالرغم من تأكيدي لها أنني لست مهتما بالموضوع ولا أفكر فيه‏.‏

وبعد فترة من الهدوء النسبي اشتدت عليها آلام القلب والضغط والشرايين والنقرس ورجعت للنوم فوق خمس وسائد لكي تتمكن من النوم‏,‏ وإلى تناول الأربعين قرصا كل يوم‏,‏ وبالرغم من كل ذلك فإن الابتسامة الحبيبة لم تفارق وجهها‏,‏ بل وكانت تملأ البيت كله بهجة وسرورا وضحكا‏,‏ كما ازداد اقترابها من ربها فلم تكن تفوتها صلاة‏..‏ وحين عجزت عن الصلاة واقفة‏,‏ صلت جالسة وأكثرت من قراءة القرآن تستعين بها على إخراجها من قهرها‏..‏ بل وأصرت دائما على رفض مساعدتي لها في أعمال المنزل لتقوم بها وحدها‏..‏ ومن حين لآخر تزور إحدى دور الأيتام وتسعد برعاية من تلتقي به من أطفالها‏..‏
ومضت الحياة على هذا النحو إلى أن جاءت اللحظة التي عجز فيها قلبها عن مواصلة المشوار‏,‏ واختار منتصف شهر رمضان الماضي لكي يعلن عجزه عن الاستمرار‏..‏ وتوقف القلب الذي طالما أحب كل من حوله وأحبت صاحبته كل من حولها‏..‏

إنني على ثقة من أن زوجتي الراحلة قد سعدت بحياتها معي‏..‏ وبكل لحظة عاشتها على قيد الحياة بالرغم من كل الآلام الرهيبة التي عانتها‏,‏ فلكم ضحكت من أعماق قلبها العليل ولكم أحبت بصدق كل من حولها ولكم نشرت البسمة حولها‏..‏ وسبحان الله فحتى بعد وفاتها كان وجهها مبتسما على نحو أذهل كل من شاهده‏.‏
إنني لست نادما على قراري بالزواج من فتاتي المهددة بالخطر من قبل البداية‏,‏ فلقد سعدت بحياتي معها‏..‏ ووجدت لديها كل ما كنت أحتاج إليه من حب وعون وتشجيع وصحبة حلوة وجميلة‏,‏ وأدعو كل إنسان إلي ألا يتوقف أمام آلامه أو أي مرض أو أي أزمة‏..‏ وأن نتعلم كيف نحتوي آلامنا ونستمتع بما يتاح لنا من مساحة ولو كانت صغيرة من السعادة‏,‏ وأن نرضى دائما بحياتنا‏..‏ وألا نستسلم أبدا لليأس من الأشياء‏,‏ والله دائما هو المنقذ والميسر والمعين‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
في أحد الأعمال الروائية الخالدة‏..‏ واجه البطل الاختيار بين مصلحته الشخصية ومستقبله‏,‏ وبين الوفاء لمن يحبها والتضحية من أجلها‏,‏ والوقوف إلى جوارها وتحمل كل التبعات المترتبة على ذلك‏,‏ فاختار بلا تردد الوفاء والحب والتضحية‏..‏ ولم يتوقف لحظة أمام ما سوف يتعرض له من أضرار من جراء ذلك‏,‏ وعاش مع محبوبته حياة قصيرة لكنها حافلة بالحب وأنبل المشاعر وأصدق الأحاسيس‏,‏ وتجاوز عن كل ما تعرض له من معاناة بسبب ظروف محبوبته إلى أن حم عليها القضاء ولقيت وجه ربها‏,‏ ووقف فوق قبرها ليلقي عليها بوردة‏,.‏ ويتلقي فيها العزاء محاطا بنظرات الإكبار والاحترام‏..‏ وفي طريق العودة سأله صديقه المقرب‏:‏ ماذا جنيت من معاندة الحقيقة سوى أنك قد أضعت بضع سنوات ثمينة من عمرك‏,‏ وها أنت تبدأ الآن من جديد وحيدا وحزينا كما كنت‏,‏ فنظر إليه طويلا ثم قال له فضلا عما جنيته من ذكريات الحب والسعادة التي سترافقني إلى نهاية العمر‏..‏ فلقد جنيت الشيء الأهم وهو رضائي عن نفسي وعما فعلت واحترامي لذاتي الذي تأكد حين أخترت لنفسي أن أكون عند ظن من أحبني وتعلق بالأمل في‏..‏ وعند ظن أصحاب المثل العليا والقيم الأخلاقية ولو لم أفعل ما فعلت لظللت نادما على خذلاني لمن أحبتني إلى ما لا نهاية‏!‏
ثم مضى في طريقه مرفوع الرأس دامع العين‏.‏

وأحسب أن هذا هو نفس ما تشعر به الآن يا صديقي وأنت تسترجع فصول قصتك القصيرة مع زوجتك الراحلة‏..‏ وهو الرضا عن النفس‏..‏ واحترام الذات‏..‏ والإحساس بأنك قد أديت واجبا إنسانيا لم تكن لترضي عن نفسك لو كنت قد تقاعست عنه‏,‏ وآثرت السلامة والنظرة الذاتية الضيقة للأمور‏..‏ أما ذكريات الحب والسعادة في حياتك فهي صادقة وحارة لأنها منتزعة من بين ركام الآلام والأحزان‏..‏ أو مسروقة من العمر القصير المشحون بالعناء‏..‏ ولهذا فلقد أثرت روحك وأشبعت احتياجاتك العاطفية والإنسانية‏,‏ واستمتعت بها بأكثر مما يفعل الآخرون‏,‏ لأنك كنت تدرك جيدا أنها لحظات قليلة ولن تطول‏..‏ فكأنما قد عوض لك الله سبحانه وتعالى قصر المسافة بجمال الرحلة وصدق مشاعرها وأحاسيسها‏..‏ وهذا هو حلم بعض البشر الذي عبر عنه الرسام الايطالي الشهير موديلياني بقوله‏:‏ أتمنى أن أحيا حياة قصيرة‏..‏ بشرط أن تكون حافلة بأسباب السعادة‏!‏
غير أن السعادة في النهاية لغز شخصي لا يفك طلاسمه إلا صاحبه‏.‏

فلقد يستشعر الإنسان السعادة وسط أقسي الظروف وأكثرها مدعاة للمعاناة‏,‏ ولقد يستشعر الإنسان التعاسة وسط أفضل الظروف لاستشعاره السعادة والابتهاج بالحياة‏..‏ ولهذا قال الكاتب الأمريكي جون ريد أن القدر الأكبر من سعادة الإنسان إنما ينبع من داخله هو وليس من الظروف المحيطة به وهي كلمة صادقة وتنطبق تماما على زوجتك الراحلة ذات الابتسامة الدائمة والتي كانت تشيع روح البهجة والمرح والسرور في حياتكما وهي تكابد أقسي الآلام والأمراض‏.‏
إن تجربتك مع زوجتك الراحلة لم تكن خصما من رصيد السعادة في حياتك‏..‏ وإنما كانت إضافة لهذا الرصيد وإثراء له‏,‏ ومن حقك أن تقول في ختام رسالتك إنك لست نادما على اختيارك للارتباط بها بالرغم من علمك بما ينتظرها من أقدار محتومة‏,‏ ولا عجب في ذلك لأن المرء لا يندم على الحب والوفاء والشهامة‏,‏ وإنما يندم حقا حين يضعف عن اتخاذ الموقف الذي يليق به وبمن يحب لبعض الأسباب والحسابات الدنيوية قصيرة النظر‏..‏ مع تمنياتي لك بالتوفيق والسداد وتعويض السماء لك في قادم الأيام إن شاء الله‏.‏


* نشرت عام 2003

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·
نقلها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
                         Rofida Mohamed Ismail                        

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


تابعونا على الفيس بوك
الصفحة الرسمية لمحبي الأستاذ عبد الوهاب مطاوع


www.monte-escalier-prix.org www.monte-escalier-prix.org

البشرى القديمة .. رسالة من بريد الجمعة


سيدي والله إني لا أدري ما الذي دفعني للكتابة إليك لأروى لك قصتي مع الحياة، كما لا أعرف إذا ما كان فيها ما يستفيد به الآخرون أم لا؟ . لكني رغم ذلك أشعر برغبة ملحة في أن أحكيها لك. نشأت في أسرة طيبة بإحدى مدن الوجه البحري ولأب يُعدّ من الأعيان لأنه يملك 50 فداناً، لكنه في الواقع من متوسطي الحال لأن الأرض كلها كانت مؤجرة ولا يتقاضى عنها إلا إيجاراً زهيداً. وحين بلغت المرحلة الثانوية بدأ تعثري في الدراسة، ورسبت سنتين متتاليتين في الثانوية العامة، فقررت أسرتي أن ترسلني للإقامة مع خالٍ أعزب يُقيم بالقاهرة لألتحق بإحدى مدارسها وأخضع لإشرافه خاصة لأن شخصيته كانت جبارة وصارمة. وشاءت الظروف أن تتكرر نفس الظروف مع ابنة إحدى خالاتي التي حصلت على الإعدادية بمجموع ضعيف لا يؤهلها للالتحاق بالثانوي العام، ولم يكن في بلدتنا مدرسة ثانوية خاصة فرأت أسرتها أن ترسلها أيضاً إلى خالي الصارم بالقاهرة لتلتحق بمدرسة خاصة تحت رعايته.

وهكذا جمعتنا الدراسة في شقة خالي الأعزب تخدمنا سيدة مسنَّة ويتابع خالنا بشدّته المعروفة انتظامنا في الدراسة وتحصيلنا الدراسي، وفي ظروف الغربة عن أهلنا.. والشكوى من شدة خالي وصرامته وجدنا نفسيْنا أنا وبنت خالي نتبادل الحب في هذه السن الصغيرة.. ولا أعرف هل كان حباً حقيقياً أم حب مراهقة، لكننا رغم ذلك تعاهدنا على الزواج وتعاملنا مع هذا الأمر الخيالي بجدّية غريبة، ومضى العام الدراسي ونجحتُ في الثانوية العامة بما يشبه المعجزة وبمجموع ضعيف، ونجحت ابنة خالتي أيضاً وتيسَّر نقلها إلى المدرسة الثانوية ببلدتنا فانتقلت إليها وعادت لتقيم مع أسرتها. أما أنا فقد التحقت بالمعهد العالي للتربية الرياضية واجتزتُ الاختبارات الرياضية بالتوصية والواسطة لأني لم أمارس أية لعبة رياضية، وانتظمت في الدراسة ومن حين آخر أزور أسرتي في بلدتنا.. وأجدّد العهد مع ابنة خالتي على الزواج إلى أن وصلت إلى السنة الثالثة بالمعهد ووصلت فتاتي إلى الثانوية العامة.. وكثُر خطَّاب فتاتي وتعدّدوا فهي جمال وأسرة ومال، وكلما تقدم لها خاطب رفضته انتظاراً لي، إلى أن تقدم لها خاطب ممتاز من كل الجوانب فأرغمتها الأسرة على قبوله، وحاولت هي الاعتراض بكل وسيلة فلم تثمر محاولاتها سوى تأجيل القران إلى ما بعد أدائها لامتحان الثانوية العامة. وواجهنا الكارثة التي تهددنا بالفراق حتى نهاية العمر..وتشاورنا فيما نفعل فيها وحدثتنا عقولنا ونحن في هذه السن الصغيرة إلى قرار خطير هو أن نضع الأسرتين أمام الأمر الواقع، وأقدمنا على ما نويناه رغم الأهوال التي تنتظرنا وصارح كل منا أهله بأنه لن يتزوج سوى الآخر مهما حدث ولو دعانا ذلك إلى ارتكاب أي حماقة يتصورونها.. وانهال علينا اللوم والسباب والإهانة وبعد خفوت العاصفة اجتمعت الأسرتان وقررتا تزويجنا تجنباً لاتساع المشكلة مع مقاطعتنا في نفس الوقت.

وكان الحل الذي توصلت له الأسرتان هو أن نرحل عن البلدة ونقيم في شقة صغيرة بالقاهرة تنازل لنا عنها أحد أقاربنا، وأن يعطيني أبي مبلغ عشرة جنيهات فقط كل شهر ويعطي والد فتاتي ابنته عشرة جنيهات مماثلة لنعيش بهذا الدخل البسيط في القاهرة ونتحمل مسئولية حياتنا و "إجرامنا" في حق الأسرتين!

وتم الزواج وكان الفرح كالمأتم الحزين وسعدنا بذلك رغم الإهانات والاحتقار فالكل فيه مقطّب ومتجهِّم في وجهينا.. وأنا وفتاتي مترددان بين الابتهاج باجتماع الشمل وبين الحزن لما نحسه من رفض الأهل وازدرائهم لنا.

وانتقلنا إلى الشقة التي تم تجهيزها في أضيق الحدود مراعاة لظروف أبي المالية وواجهنا واقعنا الجديد كعروسين مغضوب عليهما من الأهل ومحرَّم عليهما العودة إلى البلدة إلى أجل غير مسمى، وبدخل شهري يأتينا بالبريد أو مع أحد الأقارب قدره عشرون جنيهاً لا غير. ومع ذلك فلقد سعدنا باجتماع شملنا.. ولم تمض أسابيع حتى دب جنين الحب واندفاع الشباب في أحشاء زوجتي وفكرت في مستقبل هذا الجنين ونحن لا نكاد نستطيع أن نلبِّي حاجاتنا من الطعام. وقررت مع زوجتي أن نبيع ذهبها وأشتري به سيارة أجرة مستعملة وأتعلم القيادة لأعمل سائقاً عليها بعد الدراسة في المعهد، واشتريناها وبدأت أعمل عليها بعد الظهر وفي أيام الأجازات، وقررت مع زوجتي أن نتوقف عن قبول المساعدة الشهرية من أبي وصهري.. لكي نستعيد بعض احترامنا في أعين الأهل الذين احتقرونا. وتحسنت أحوالنا بعض الشيء.. ووضعت زوجتي حملها فإذا به توءم من ولدين بدلاً من ولد واحد.. وترددت لحظات بين الفرحة بهما وبين استثقال مؤنتهما لكني طردت الهواجس على الفور وسعدت بهما سعادة طاغية.. وبعد شهرين من مجيئهما للحياة حملت زوجتي مرة أخرى واستقبلت عامي الأخير بالمعهد وقبل أن تعلن نتيجة البكالوريوس وضعت زوجتي حملها الثاني فإذا به توءم ومن ولدين أيضاً.. ولله في خلقه شئون وتخرجت وعملت مدرساً بمدرسة بإحدى المحافظات القريبة من القاهرة وعمري 24 سنة وزوج وأب لـ 4 أطفال ذكور! وحين كان زملائي بها يسألونني عن حالتي الاجتماعية وأجيبهم بالحقيقة كانوا يندهشون ويتعجبون كيف أواجه مسئولية أسرتي الكبيرة بمرتب لا يزيد وقتها عن 23 جنيهاً، لكني كنت أجيبهم بأنني أكافح لإعالة أسرتي بعد العمل بسيارة أجرة.. وتهون كل مصاعب حياتي حين أعود إلى بيتي الدافئ بالحب وأجد فيه "أم العيال" بنت العشرين!
شيء واحد كان ينغّص علينا حياتنا هو أن الأهل ظلوا على موقفهم منا رغم استغنائنا عن معونتهم. وحملت زوجتي للمرة الثالثة ولم أكن راغباً هذه المرة في حملها ولا هي أيضاً لكنها إرادة الله ونحن صغيران لا ندري الكثير عن أمور الحياة ولم تكن وسائل تنظيم الأسرة شائعة كما هي الحال الآن، ولو كانت شائعة لما عرفنا عنها الكثير فأنا أدور في طاحونة من السادسة صباحاً حتى منتصف الليل وكذلك زوجتي، ولا أعرف حتى الآن كيف كنت أقوم بتدبير نفقات الولادة ولبن الأطفال.. والمهم أن زوجتي قد وضعت حملها الثالث ولو ساورك الشك فيما سأرويه لك عذرتك لكن هذه هي الحقيقة التي لا أملك لها تبديلا.. فقد وضعت زوجتي للمرة الثالثة توءماً أيضاً ومن ولدين، وأصبحت أنا وزوجتي وأطفالنا الستة حديث الأقارب وموضع إشفاق بعضهم، ورغم كل ذلك فقد استمرت الأسرتان في موقفهما منّا وهو موقف يمثل شبه مقاطعة وخاصة معي أنا بالذات. وضاعف من عناء حياتنا أن تأجيل تجنيدي كان قد انتهى، فتقدمت لأداء الخدمة العسكرية بعد حرب أكتوبر وانقطع جزء كبير من دخلي من السيارة لكني تحملت مع زوجتي كل شيء وانتهت فترة الخدمة بعد عناء شديد ووجدت العبء قد أصبح ثقيلاً على كاهلي.. وأنا أتكبد نفقات السفر بالأتوبيس كل يوم إلى المدرسة التي أعمل بها وأعود متأخراً منها فأستريح ساعة واحدة في البيت للغداء ثم أخرج بسيارتي الأجرة لأكسب رزق الأسرة الأساسي حتى منتصف الليل وأرجع لأنام مرهقاً وأنهض من نومي في السادسة صباحاً، وزوجتي التي نشأت في العزّ ولم تعرف الفقر أصبحت تفصل من فساتينها القديمة ملابس للأطفال الرضّع. وبدأت ملابسها التي جاءت بها من أسرتها "تدوب" من كثرة الاستعمال ولا تستطيع شراء غيرها. وقد اخشوشنت يداها من غسيل ملابس الأطفال الرضع كل يوم عدة مرات وخدمتهم الشاقة طول النهار.. والطهو والكنس والنظافة الخ.. ولكما أشفقت عليها مما تتحمله من عناء هوّنت عليَّ مصاعب حياتنا وبشَّرتني بالبشرى التي مازلت أعجب حتى الآن كيف كانت قادرة على إمكان تخيُّلها وسط ظروفنا اليائسة تلك، فلقد كانت تقول لي إنني سوف أصبح "أحسن واحد" في الأسرة، وسوف تثبت الأيام لكل من ازدرونا واحتقرونا أنها اختارت الاختيار الصحيح! فأدعو لها بالصحة وطول العمر جزاء محاولتها رفع روحي المعنوية. والمهم أنني وجدت نفسي عاجزاً عن الاستمرار في العمل كمدرس في تلك المحافظة لما أتكبده من نفقات في السفر إليها فقدمت لمسابقة لتعيين مشرفين رياضيين بإحدى جامعات القاهرة.. ولم أكن أفضل المتقدمين ولا أحسنهم، لكن الله سبحانه وتعالى أراد لي النجاح ربما لأنني وأنا أتقدم بالطلب استحضرت في خيالي عيون زوجتي وأطفالي الستة حين أرجع إليهم بالنتيجة وتسألني زوجتي بلهفة عما فعلت، فلم يشأ الله أن يخذلها وعينت مشرفاً رياضياً بالجامعة واتسعت أمامي ساعات العمل على سيارة الأجرة.. وتخففت من بعض متاعب حياتي. لكن "الأولاد" كبروا سريعاً يا سيدي وزادت نفقاتهم ومطالب الحياة والمدارس.. ولم أجد مخرجاً لي من ظروفي سوى التعلق بالأمل في العمل في الخارج، وكلما جاء موسم الإعارات أو أعلن عن مسابقة للعمل في الخارج أتقدم بطلبي فلا يكون لي نصيب فيها، وأعود لمواصلة حياتي وزوجتي تطالبني بالصبر إلى أن تقدمت عقب إعلان للعمل برعاية الشباب بإحدى دول الخليج وتحقق الأمل الصعب وتم اختياري وسافرت مع زوجتي وأطفالي الستة إلى هناك بعد أن بعت سيارتي الأجرة، واستقرت حياتنا هناك وتفانيت في عملي الجديد ثم حدث بعد فترة أن كنت في أحد مطارات هذه الدولة لأركب الطيران الداخلي عائداً إلى مقر إقامتي فتصادف جلوسي بجوار شخص مصري قادم في زيارة، فطلب مني أن أعطيه بعض عملة الدولة المحلية لأنه فقد ما كان معه منها مقابل أن يعطيني قيمتها مما بقي معه من الجنيهات المصرية، فقدمت له ما أرد ورفضت أن آخذ منه مقابلها المصري مؤجلاً ذلك إلى حين أن أرجع لمصر في أجازتي السنوية، فنظر إليَّ شاكراً ثم أعطاني بطاقة باسمه وعنوانه وخلال انتظارنا للطائرة روى لي أنه توجد قطعة أرض مبانٍ بالهرم تباع بألف وخمسمائة جنيه للقيراط وأوصاني بالشراء منها عند عودتي لمصر لأنها فرصة طيبة لي، وجاءت الطائرة وذهب كل منا إلى حال سبيله، ثم جاءت الأجازة الصيفية بعد شهور وعدت لمصر.. وتوجهت إلى عنوان هذا الشخص فاستقبلني بترحاب كبير وسدَّد لي ما أخذه مني، ثم اصطحبني إلى صاحب الأرض التي حكى لي عنها وقمت بشراء قطعة ممتازة بمبلغ ستة آلاف جنيه، وأصبحت مالكاً لقطعة أرض للمرة الأولى في حياتي! وبعد أيام من إقامتنا في شقتنا القديمة بالقاهرة التي شهدت أيام العناء الطويلة استخرت الله وقررت أن أسافر إلى بلدتي التي لم أدخلها منذ أكثر من عشر سنوات لأصالح أبي وأمي وأسترضيهما خاصة بعد أن أصبحت أنا وزوجتي أسرة من ثمانية أفراد وذهبت واسترضيت أبي وأمي وسألتهما العفو عن اندفاع الشباب والرضا عني، وفعلت نفس الشيء مع أسرة زوجتي طالباً الصفح عن كل ما كان.

وعُدنا من بلدتي إلى القاهرة راضين وسعداء.. وانتهت الأجازة سريعاً وعدنا لمقر عملي.. فلم تمض شهور حتى جاءني نبأ وفاة أبي فحزنت عليه وحمدت الله كثيراً أن مات صافحاً عني، وفي نفس العام أيضاً مات والد زوجتي وكان تاجراً كبيراً فتعجبت من حكمة القدر، وفي صيف العام التالي عُدْنا إلى مصر في الأجازة فوجدنا ثروة كبيرة تنتظرنا أنا وزوجتي من ميراثي وميراثها وتذكرت أيام الحرمان والشقاء وليالي الضيق الطويلة التي لم يخففها عنا سوى حبنا وتعجبت من تغير الأحوال ولم أملك إلا أن أشكر ربي على نعمته.

ولقد مضت سنوات العمر بعد ذلك يا سيدي وبلغتُ الآن الثامنة والأربعين من عمري ومازلت أعمل في الخارج.. وقد حدثت تطورات مهمة في حياتي فحصل التوءم البكر على الثانوية العامة معاً والتحقا بكلية الطب فعادت معهما زوجتي لترعاهما.. وبقيت أنا مع الأولاد الأربعة الآخرين لرعايتهم، وفي العام التالي نجح التوءم الأوسط والتحقا أيضاً بكلية الطب وانضما إلى فرع الأسرة في القاهرة وبقيت أنا مع التوءم الأصغر حتى يحصل على الثانوية العامة.. وقد حصلا عليها أيضاً والحمد لله بعد عامين وعادا لمصر والتحقا بكلية الهندسة وأصبحت أعود إلى مصر مرتين في السنة لأرى أولادي وزوجتي وأعيش معهم أجمل أيام عمري، وقد أصبح لنا والحمد لله بيت جميل تم بناؤه على قطعة الأرض التي اشتريتها في الهرم والتي تضاعف سعرها بعد ذلك أضعافاً مضاعفة وكان شراؤها توفيقاً من الله.

وفي العام الماضي زوَّجت التوءم البكر لمن أحبا رغم صغر سنهما ولم أفكر في الاعتراض أو التأجيل ما دمت قادراً على تكاليف زواجهما وقد وفرت لهما كل شيء، وفي الصيف القادم إن شاء الله سوف أزوِّج التوءم الأوسط، وفي العام الذي يليه سيأتي دور التوءم الأصغر بإذن الله.. فأولادي يعتبرونني المثل الأعلى لهم.. وتحققت نبوءة زوجتي أو بشارتها فأصبح وضعي المالي بين الأسرتين.. في القمة والحمد لله لكن الأهم منه أنني وزوجتي على وفاق وفي قمة السعادة والرضا والحمد لله ولم أنس حقوق والدتي عليَّ وكذلك لم تقصر زوجتي في حقوق والدتها عليها رغم ما قدمته لي من إساءة بالقول والفعل.. كما لم أنس أيضاً حقوق الضعفاء فيما أنعم الله عليَّ به ولا أستطيع إلا أن أقول في النهاية إنه سبحانه "يرزق من يشاء بغير حساب" .

وحين أكتب لك رسالتي هذه لا أعرف حتى الآن إذا كان ما فعلته وأنا شاب صغير خطأ أم صواباً وأولادي لا يعرفون شيئاً صريحاً عن كيفية زواجي بأمهم، لكنهم يعرفون فقط أننا تزوجنا صغيرين جداً فهل تنصحني بأن أحكي لهم كل شيء بالتفصيل، أم بأن أتجاهل الأمر أيضاً؟ .. إنني بعد كل هذه السنين مازلت واقعاً في غرام أمهم هذه التي مازلت أراها في خيالي حتى الآن وهي بزي المدرسة الثانوية فماذا تقول في هذا الشأن .. وفي قصتي كلها؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

قصتك يا صديقي جرت كلها منذ البداية ضد كلِّ ما يقضي به العقل والحكمة وتجارب الحياة، ورغم ذلك فلقد أثمرت ثماراً طيبة يندر أن تثمرها أية قصة مماثلة لها في تفاصيلها، لهذا فأفضل ما يقال عنها هو ما يقوله الفقهاء عادة عن غريب الرأي في بعض الفتاوى حين يخالفونها بأدب ويحترمون علم أصحابها في نفس الوقت لصائب اجتهادهم في فتاوى أخرى فيقولون عن ذلك :" يبقى الشاذُ من الفُتيا كما هو.. ولا يُقاس عليه" !.

أو ما يقوله بعض المؤرخين حين يرصدون بعض التحركات أو القرارات التي تعتبر خاطئة بالمقاييس المتعارف عليها، لكنها رغم ذلك قد أدت إلى نتائج لم تكن متوقعة فيقولون عن أمثالها: لقد كان القرار خاطئاً بكل المقاييس.. لكن نتائجه.. جاءت باهرة!

ولأن الاستثناء مهما تعددت حالاته لا يصلح أبداً لأن يصنع قاعدة أو أن يُقاس عليه، فإني أقول لك إن ما حققه حب المراهقة في حياتك من تحولات ونتائج يستحق أن يقال عنه إنه كان "الخطأ" الذي جاءت نتائجه باهرة بحق. فحبُّ المراهقة يا صديقي ليس حباً حقيقياً يصمد للزمن، كما أنه لا يعبر غالباً عن شخصية الإنسان الذي ستصاحبه إلى نهاية العمر، وإنما هو غالباً عاطفة مشوشة مغلفة بالأحلام معرضة للتقلب والتغير مع تغير المزاج النفسي للإنسان الرشيد وتخلصه من مزاج المراهقة المتقلب. ولهذا فإن أكثر من 90% من حالات زواج المراهقين الذين يتحدون الأهل في أوربا وأمريكا ويتزوَّجون رغما عنهم وهم دون العشرين أو حولها تنتهي إلى الفشل والانهيار بعد بضع سنوات، خاصة بعد إنجاب الأطفال وتزايد صعوبات الحياة عليهم. لكن زواج المراهقين قد نجح في حالتك وصمد وأثمر ثماره الطيبة رغم الصعوبات والأهوال التي واجهتكما. وحين فكرت طويلاً في أسباب نجاحه وصموده رغم الصعوبات والتحديات لم أجد سبباً مقنعاً لثبات مشاعر المراهقة المتقلبة وتحولها إلى حب حقيقي يتحدى الزمن إلا في هذه الصعوبات والتحديات نفسها!، فالصعوبات قد استثارت فيكما إرادة التحدي والكفاح للحفاظ على الأسرة التي تحملتما هذا العناء لتكوِّناها. ونبذ الأهل وازدراؤهم لكما وتوقعهم الفشل المدوي لكما بعد أعوام قليلة قد استنفر فيكما أيضاً كل ملكات الإرادة والرغبة في النجاح تجنباً لشماتة الشامتين!

أما أكبر العوامل المؤثرة في ذلك بغير شك فيتمثل في هذه القبيلة الصغيرة العجيبة التي تكونت لديكما سريعاً خلال ثلاث سنوات فقط، وضمت 6 أطفال صغار لا يزيد فارق العمر بين كل "زوج" منهم على عام واحد!.

لقد صهرتكما هذه القبيلة من الصغار في بوتقة واحدة، وأذابت معكما كل نظريات علم النفس عن المراهقة وتقلباتها فيها! فستة أطفال صغار متقاربو الأعمار بهذا الشكل العجيب كفيلون بكل تأكيل بأن يصرفوا الإنسان عن أي شيء آخر في الحياة سوى الحفاظ على هذه الثروة الإنسانية ..والوصول بها إلى بر الأمان.

ومشاكل الإنسان كثيرة يا سيدي.. لكن أكثرها نبلاً بلا منازع هو عناؤه لأن يوفر لأبنائه وأعزائه غداً أفضل من يومه هو نفسه أو أمسه، وهو حين يسعى إلى ذلك مخلصاً وعارفا ً يكون أحد ثلاثة " حقٌ على الله عونهم" كما جاء في مضمون الحديث الشريف، لهذا فلا غرابة في أن تُختار أنت للعمل كمشرف رياضي بالجامعة مع أنك لم تكن أفضل المتقدمين لهذا العمل كما تقول، ولا في أن تأتيك فرصة العمل في الخارج في الوقت المناسب بعد أن شقيت سنوات طويلة من السادسة صباحاً حتى منتصف الليل لكي تريحك من هذا العناء ولا في أن تتخلص من متاعبك المادية وتعرف الرخاء والوفرة والقدرة على طول العناء.. لأنك قد دفعت ضريبة الكفاح كاملة وأخلصت الودَّ لمن أخلصته لك وتحملت معك هذه الرحلة البطولية.. ثم.. وهو الأهم.. لأنكما في النهاية قد صححتما أخطاء اندفاع الشباب واسترضيتما أبويكما فرحلا عن الحياة صافحْين عنكما.

إنك تقول لي إنك لا تعرف لماذا تروي لي قصتك.. وأنا أصدقك في ذلك وتفسيره عندي أنه يعكس رغبة الإنسان الغريزية في الإفضاء بما يطوى عليه صدره لمن يشاركه الاهتمام به. وليس من الضروري أن يكون ما يريد الإنسان أن يفضي به للآخرين آلاماً وهموماً فحسب ، وإنما قد يكون ذلك أيضاً تأملات أو مراجعة لمشوار الحياة ودروسها أو إنجازاً يريد المرء أن يسجله ويعتز به أو يتأكد من صوابه أو يعيد تقييمه.

وأنت تسألني بعد ذلك هل من الحكمة أن تصارح أبناءك بكل تفاصيل قصة زواجك من أمهم.. ورأيي أنك لست في حاجة لأن تروي لهم أي تفاصيل قد تُسهم في خلق الانطباع لديهم بأن نموذج تحدّي الأهل والخروج على طاعتهم في سن الشباب المبكر أو المراهقة يمكن أن يثمر مثل هذه الثمار الباهرة من أبناء متفوقين مهذبين مثلهم وزوجيْن متحابيْن ومتعاونين على رحلة السنين مثلكما!!

كما أنك لست في حاجة بالطبع لأن تروي لهم أية تفاصيل قد تمس بوعي أو بغير وعي رمز الأم أو رمز الأب في مخيّلتهم، وخاصة مما عميت عليه في رسالتك، وإنما يكفي فقط أن تروي لهم إجمالاً عن الصعوبات التي واجهتكما كزوجين صغيرين شابين لم يتوقع لهما كثير من الأقارب أن ينجح زواجهما لكنهما تحملا ظروف حياتهما بصبر ودأب وتعاون على أنواء الحياة حتى وصلا معاً إلى أكثر  مما كانا يحلمان به ومازال الحب والاحترام المتبادلان يجمعان بينهما، وبهذا يتحول الخطأ القديم إلى "مثال" إيجابي يحث على الكفاح وإعلاء قيم الحب والصبر.. والتعاون في أذهانهم وليس العكس.

مع صادق تمنياتي لك بدوام السعادة والهناء ومع رجائي لأبنائك الأعزاء بألا يكرروا نموذج القبيلة سريعة التوالد هذه في حياتهم الخاصة حتى لا تجد أنت نفسك بعد بضع سنين جداً لـ 36 حفيداً دفعة واحدة.. وشكراً لك على رسالتك والسلام.



* نشرت عام 1994

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·
كتبها من مصدرها بكتاب طائر الأحزان
                         Ahmed Mahmoud El-magn                         
تدقيق إملائي ونحوي
Mohammed yousry
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


تابعونا على الفيس بوك
الصفحة الرسمية لمحبي الأستاذ عبد الوهاب مطاوع


www.monte-escalier-prix.org www.monte-escalier-prix.org
 

تدعمه Blogger

تطوير وتعريب مدونة أبواياد حقوق القالب محمية بواسطة copySWEUP©

عبد الوهاب مطاوع

صاحب القلم الرحيم " مقتطفات من الأدب الإنساني للأستاذ عبد الوهاب مطاوع "

المساهمون

تدعمه Blogger.


[أهلا بكم لا تنسوا متابعة المدونة]

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

تابعنا على جوجل بلس

ادعمنا بالضغط على زر +1

سجل بريدك وسيصلك جديد مواضيعنا